لأول مرة منذ استقلال..سليل الريفيين إلياس العماري ينافس على رئاسة الحكومة

 منذ إخماد ثورة عبد الكريم الخطابي وانتفاضة 58/59 بالريف، لم يسبق لشخصية ريفية أن برز حضورها على مستوى الساحة السياسية الوطنية بالصورة التي يجسدها اليوم إلياس العماري… فعلى مر عقود طويلة، عانت النخب الريفية من الإقصاء والتهميش اللذين حرمها من تبوئ مناصب مهمة داخل دواليب الدولة المغربية، نتيجة أسباب عديدة يصعب حصرها في هذه المقالة المقتضبة.

 أما اليوم، فلأول مرة في تاريخ مغرب الاستقلال، يتداول وينتشر على نطاق واسع جدل سياسي كبير عن منافسة شرسة وغير مسبوقة على تولي منصب رئاسة الحكومة المغربية بين شخصيتين أحدهما هو إلياس العماري ابن الريف العميق.

 لقد مر عمار (الاسم الحركي الذي عرف به إلياس خلال سنوات الرصاص) من ظروف صعبة جدا، إذ طرد بشكل تعسفي من إعددادية إمزورن، ليجد نفسه خارج أسوار المؤسسة التعليمية، حيث تم رفض إعادة تسجيله في كل المؤسسات التعليمية بالحسيمة، وظل تائها ومتشردا في شوارع الحسيمة باحثا عمن يمكنه من العودة لفصول الدراسة. وقد عاش خلال هذه الفترة أياما عصيبة ملؤها التخفي في مساكن متوارية والتضور جوعا.

 بعد أن تمكن بفضل تدخل أحد أقاربه من إعادة التسجيل بإعدادية سيدي عابد، سيتعرض هذه المرة لطرد تعسفي ونهائي، بسبب نشاطه “السياسي” في صفوف الحركة التلاميذية، بل أكثر من كل ذلك سيتم إصدار حكم غيابي في حقه مدته خمس سنوات سجنا بتهمة الانتماء لتنظيم سري والإخلال بالنظام العام…

وإثر صدور ذلك الحكم الغيابي في حقه، اختفى عن الأنظار قاصدا الأحياء الجامعية (فاس، الرباط، وجدة…).. فعلاقاته الشخصية ببعض مناضلي الطلبة القاعديين المنتمين لمنطقته مكنته من ربط مزيد من العلاقات مع الرفاق الآخرين المنتمين لليسار الراديكالي الجديد بمختلف تياراته… وقد تنقل بين عدة مدن، قبل أن يستقر به المقام بمدينة الرباط التي فتحت أمامه أبواب الشهرة والنجومية لا سيما بعد صدور العفو الملكي عن المعتقلين السياسيين سنة 1989… حيث خرج من السر إلى العلن.. وشرع في ربط علاقات مهمة للغاية.. إذ ساعده عمله في شركة لطباعة الورق على التعرف على معظم الكتاب والمثقفين والفنانين والصحافيين والسياسيين خاصة الحاملين منهم للأفكار اليسارية الثورية ضد نظام الحكم المخزني في عهد الحسن الثاني.

 ومن هناك، سيبدأ فصل جديد من حياة عمار .. حيث سيسطع نجمه في سماء الرباط عندما تمكن بفضل شبكة علاقاته المتشعبة من الوصول إلى التعرف على القادة السياسيين ورجالات الدولة الكبار، لا سيما في العهد الجديد مع تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم .. وبالرغم من الانتقادات الكثيرة التي طالته بسبب هذه العلاقات، فإنه ظل مصرا على رسم طريقه السياسي من غير أن يبدي أي تأثر أو ندم على ذلك… واستطاع بإصراره ذاك أن ينال ثقة المحيط الملكي ويعين بظهير في مؤسستين من الأهمية بمكان (الإركام والهاكا)، وهي  تجربتان مهمتان في حياة إلياس مكنتاه من الاطلاع عن قرب مما يحصل في البلاد وما يصدر فيها من قرارات.. أما انخراطه فيما يسمى بتجربة الإنصاف والمصالحة ومساهمته الواضحة في إنجاحها، فقد رفعته نحو الأعلى ومكنته من الجلوس برفقة صناع القرار..  

  وبفضل تحركاته التي لا تتوقف وحماسه الذي لا يفتر.. استطاع في ظرف وجيز استقطاب عدد مهم من الوجوه السياسية المعارضة التي قضت ربيع عمرها في سجون وزنازن النظام إلى مشروعه السياسي الجديد.. وشكلت الركائز الأساسية في تشكيل نادي لكل الديمقراطيين.. وبعدها بقليل تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة (2008).

 تأسيس البام لم يقابل بالتصفيق والترحيب من قبل جل القوى السياسية الوطنية، سواء منها تلك المهيمنة على المشهد السياسي أو تلك المتحركة في الهامش.. بدعوى خروجه من جلباب المخزن.. لكن ذكاءه وخبرته والتفاف العديد من الوجوه اليسارية حوله، ومنها بالخصوص أبناء منطقته، دفعته لعدم الاكتراث بذلك، فقد صار أكثر نضجا بعد أن خبر دواليب السياسة المغربية في السر والعلن…

 الآن، وبعد أن أصبح رئيسا لجهة طنجة تطوان الحسيمة، وتوليه رئاسة الأمانة العامة لحزب البام، صار اسمه أشهر من نار على علم .. بحيث تؤثث صوره كل الجرائد الوطنية والمواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي… وأصبح اسمه متداول بشكل قوي في المشهد السياسي والإعلامي الوطني بل والدولي أيضا.

أما محليا (الريف)، فقد تبلور وعي سياسي مهم لدى أبناء المنطقة، فعلى مستوى النخب المحلية صارت هناك قناعة مفادها أن إلياس وحده الذي يمتلك إمكانية تجميع هذه النخب المشتتة وإعادة الاعتبار لها بعد الإقصاء الذي عانت منه لعقود طويلة، وكذا إدماجها والدفاع عن مطالبها أمام صناع القرار بهدف الحفاظ على مكانة الريف وحظوته، إذ يتم التأكيد على أن مصلحة الحسيمة والريف تستوجب الالتفاف حوله لأنه يمثل الشخصية الضامنة للإجماع في الإقليم والجهة.

 أما على مستوى القاعدة، فهناك مؤشرات عديدة تفيد بأن  هناك تطورا كبيرا على مستوى الوعي السياسي للساكنة، ولا أدل على ذلك من الحماس الكبير الذي أبانت عنه خلال هذه العملية الانتخابية الجارية، لأنها باتت مقتنعة بأنه لا أحد يمكنه أن يدافع عن منطقتهم، في ظل الركود الاقتصادي الذي تعاني منه، سوى أبنائها، ويعتبر إلياس الشخصية المحورية الذي تدور حوله كل النقاشات والسجالات.. وقد فهمت وأدركت بأن الأمر لم يعد متعلقا بسجال أو منافسة عادية بين مرشحين من أجل الظفر بمقعد برلماني، وإنما المنافسة بغاية الفوز برئاسة الحكومة.. ولعل هذا الأمر هو الذي سيكون حافزا لعدد كبير (الكتلة الصامتة) من الذين سئموا من العمليات الانتخابية المتكررة يقتنعون بضرورة المشاركة في هذا الاستحقاق الاستثنائي وتقديم الدعم لأبناء جلدتهم، سيما وأن هناك شعورا مشتركا، على الصعيد المحلي، بأن تولي رئاسة الحكومة من قبل أحد أبناء المنطقة سيكون مبعث فخر واعتزاز للجميع، فضلا عن كونه سيشكل دليلا آخر على درب تعزيز وترسيخ مسلسل المصالحة مع منطقة الريف.   

عبد الصمد الإدريس : مراسلة

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليق 1

  1. mhamed يقول

    natamana mina erifien dyalna idiro lyad felyad

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.