التضليل الاعلامي والهجوم المضاد للمخزن في قضية “شهيد لقمة العيش”

يبدو لي، من خلال استقراء جملة من المؤشرات، أن المخزن قد استعاد انفاسه اليوم بعد أن تجاوز بصعوبة بالغة الحدث التاريخي الذي عرفه المغرب البارحة، عندما خرج كل أحرار الوطن في مناطق مختلفة من المغرب ليقولوا بصوت واحد ” كلنا محسن فكري ” تعبيرا عن تضامنهم مع الشهيد الذي دفع حياته ثمنا للمطالبة بحقه في العيش الكريم.

لكن اليوم قررت الدولة أن تخرج من موقفها الدفاعي لتنهج أسلوب مواجهة الإحتجاجات المستمرة ، وذلك من خلال إعتماد أساليب تقزيم القضية وإحتوائها وتشويهها لنزع الشرعية عنها ، وتبرئة الدولة من مسؤوليتها الثابتة في ما حصل. وقد سخرت لتحقيق هذا الهدف كل أدواتها الحزبية والإعلامية بالأساس. وهو ما اتضح من خلال :

  • تسخير الإعلام المخزني للعودة للحديث، بعد مرور ثلاث أيام عن واقعة ” القتل “، إلى استعمال وصف ” الإنتحار” في تحديد ما حصل ، وكون الضحية قد رمى بنفسه داخل حاوية النفايات. ولم تسلم من هذه المهمة القذرة حتى الصحف التي تعتبر أكثر استقلالية من غيرها كجريدة المساء، التي لم يتورع ابن الحسيمة الصحفي ” محمد أحداد” في الحديث عن انتحار الضحية دون ان يرف له جفن أو يتحرك له ضمير…بل إن القذارة جعلت أغلب المواقع الإلكترونية تستعمل عبارة ” سماك الحسيمة ” في وصف الشهيد ، كما فعل موقع ” هسبريس” الذائع صيته المخزني، في عنوان عريض تصدر الحوار الذي أجراه مع والد الشهيد محسن فكري.
  • تقزيم القضية من خلال التركيز في التحقيق على عمال شركة ” بيزورنو ” الذين حضروا الواقعة ، وإبعاد كل شبهة عن الجهاز الأمني الذي كان وراء ايقاف شاحنة الأسماك واقتيادها أمام المحمكة الإبتدائية ، خاصة بعد صدور بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني تنفي فيه أية مسؤولية لعناصرها في ما حصل ، حتى قبل أن يبدأ التحقيق.
  • فرض التنازل على العائلة، بعد أن تم التخفيف من الضغط الشعبي نتيجة التضامن العارم مع الشهيد سواء داخل الريف أو خارجه ، والذي تجسد خاصة في الموكب الجنائزي المهيب الذي رافق الشهيد إلى مثواه الأخير. وقد لعب حزب العدالة والتنمية دورا كبيرا في تحقيق ذلك ، مستغلا أبشع استغلال العلاقة التنظيمية التي تجمعه بوالد الشهيد ( إظهار قدرته للقصر، على حل مشكل عويص في قلب الحسيمة معقل غريمه الحزبي لا السياسي). لذلك فما أن تم دفن ” ضحية الحكرة المخزنية ” حتى حل قادة هذا الحزب ( العثماني، الرباح ، الخلفي) دون حضور الجنازة، بمنزل الشهيد وأقنعوا والده – كما تجلى ذلك في حواره اليوم مع موقع هسبريس- بالدفاع عن موقف الحزب الذي اعتبر أمينه العام أن ما حدث ( طحن مواطن في شاحنة للأزبال) قضية بسيطة ولا معنى للإحتجاجات ، داعيا أنصاره إلى عدم المشاركة فيها بدعوى تغليب مصلحة الوطن وإتقاء الفتنة.
  • تحريف القضية عن سياقها الأصلي، وذلك من خلال محاولة إلصاق تهمة الإنفصال بالإحتجاجات القوية والوقفات الغير المسبوقة التي عرفها الإقليم. والهدف من ذلك طبعا هو فصل هذه الاحتجاجات عن امتداداتها التي عرفتها أغلب المدن المغربية وبعض العواصم العالمية للتنديد بهذه الجريمة النكراء التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا. وقد استغلت الأبواق المخزنية لتحقيق هذا الهدف رفع العلم الريفي من طرف بعض المحتجين أو بعض النشطاء على قلتهم. علما أن هذا العلم هو رمز تاريخي يشير الى المنطقة ولا يعبر رفعه ضرورة عن الرغبة في الإنفصال. فالمحتجون ينتمون لأطياف مختلفة يسارية وامازيغية واسلامية وغيرها ولا يشكل ذوو التوجه الإنفصالي إلا أقلية داخلهم.

هذه بعض المؤشرات – وليس كلها – التي تدل على أن الدولة سائرة في اتجاه إقبار هذه القضية بأقل الخسائر كما فعلت مع قضايا أخرى ( قضية شهداء 20 فبراير ، كمال الحساني، كريم لشقر…) ، وذلك في ظل ضعف أو عجز الإطارات الشعبية المناضلة عن الجلوس إلى الطاولة لتسطير برنامج نضالي متفق عليه يحفظ حقوق عائلة الشهيد ، ويضمن عدم تكرار ما حصل ، ويرفع الحكرة المخزنية المسلطة على المواطنين، ويحمل المسؤولية للأجهزة الأمنية في كل ما حصل في الريف، ويكشف حقيقة الفساد المستشري خاصة في قطاع الصيد البحري. كما أن لجنة المتابعة لقضية استشهاد ” محسن فكري” رغم المجهودات التي تقوم بها في تأطير الإحتجاجات، ما تزال في حاجة إلى مزيد من المجهودات للتواصل مع المواطنين ومع وسائل الإعلام لتوضيح خطواتها المستقبلية ، وأخشى أن تسقط في استنزاف الطاقات وابتذال الإحتجاجات.

رشيد الموساوي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.