تحقيق .. محسن فكري يعري وجه الحسيمة

أصبحت مدينة الحسيمة منذ مقتل بائع السمك محسن فكري تعيش على وقع حراك اجتماعي مستمر، حراك جعل الراكد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية للمدينة يطفو على سطح المظاهرات والمسيرات التي أصبحت تشهدها المدينة وضواحيها بشكل مستمر، كما أماط اللثام عن سيل من الاختلالات والأعطاب الاجتماعية المتراكمة منذ زمن، ويكاد يجمع العديد من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين، إلى جانب مسؤولين ومواطنين ومواطنات بمدينة الحسيمة في لقاءات، على أن حادث محسن فكري لم يكن سوى القطرة التي أفاضت الكأس، وبأن الأزمة كانت نائمة، وبأن مقتل محسن فكري أسقط ورقة التوت عن واقع المدينة.

الوافد على مدينة الحسيمة بعد 30 أكتوبر 2016 لا يمكن ألا يسترعي انتباهه أن وجه المدينة قد تغير، حيث يكفي أن يطأ المرء أرضها حتى يكتشف أن المدينة الهادئة تخفي جمرا مشتعلا تحت جفنيها. عمالة الإقليم بمدخل المدينة هي أول ما يشي بهذا التغيير، أمام بابها نصبت خيمة بلاستيكية وعلت بنايتها لافتات عمال معتصمين أمام بابها منذ ما يقارب الشهر، قد يبدو الأمر وكأنه صورة مألوفة، لكن الباحث في سلوك السلطة بالمدينة على الأقل منذ جزر حركة عشرين فبراير، سيعلم أن هذا التعايش هو “حالة استثناء” كما يحب أن يسميه المعتصمون، أمور استثنائية أخرى تقفز لعين الملاحظ ولذهنه: ثورة الباعة المتجولين بالشوارع وانتشاؤهم بانتصارهم المؤقت على السلطات المحلية، عمليات بناء وهدم وإصلاح للبيوت ملفتة للنظر، حديث الناس الذي لا يخلو من هم المدينة المشترك، حزن يعلو ملامح الناس وروح محسن فكري تجول بسماء فكرهم. إنه أثر بائع السمك الذي مات مطحونا مع أسماكه في شاحنة للنفايات، أثر لا تغفله عين مشاهد ولا يمكن أن يقفز عليه التاريخ المحلي للمدينة منذ أن حدث.

نفحة حرية..

“حدث محسن فكري قلب موازين القوى على مستوى الساحة السياسية بالمدينة، وأعطى نفسا وروحا جديدين بعد الجزر الذي عرفته حركة عشرين فبراير”. هكذا علق “رفيق حمدوني”، وهو شاب عاطل عن العمل وفاعل بالجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، حيث يرى أن مرحلة ما بعد عشرين فبراير بالحسيمة اتسمت باحتقان اقتصادي واجتماعي وبقمع شديد للحريات، بعد أن جوبهت كل أشكال الحراك الاجتماعي والاحتجاج بالتدخل الأمني والاعتقالات، منذ أحداث بني بوعياش سنة 2012 وأحداث إيمزورن من نفس السنة وكذا احتجاجات بلدة بوكيدارن، يضيف حمدوني. هذا الأخير يركز على أن المرحلة الممتدة من أفول حركة عشرين فبراير إلى حدود 30 أكتوبر، هي مرحلة اتسمت بتأزم الوضع الاجتماعي للساكنة وبقمع الحركات الاحتجاجية، وهي مرحلة كانت فيها الجهة تحت إشراف حزب الأصالة والمعاصرة، الذي رغم ذلك منحته الساكنة أربعة مقاعد في الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر 2016. واعتبر “رفيق حمدوني” على أن هذا الحزب هو حاليا أكبر خاسر بعد الحراك الذي أججه مقتل محسن فكري، وبأن مشروعيته التي بناها على أرضية مصالحة الريف مع المخزن هي الآن في مهب الريح.

“الشيء الوحيد الذي تغير هو تحرير الشارع من قبضة الأمن”، يضيف الشاب المنخرط في الحراك منذ بدايته، معلقا على الوضعية بالحسيمة ما بعد حادثة محسن فكري. إذ يقول مردفا إن احتجاجاتهم كمعطلين لم يكن مسموحا بها ولم تكن تسلم من التدخل الأمني، الأمر الذي تغير ما بعد 30 أكتوبر، فأصبح الشارع حرا فسيحا لحناجر المحتجين، وإن كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي المأزوم لا زال مستمرا.

في هذا السياق، يجمع أغلب المستجوبين، الذين استقت الموقع آرائهم، على أن مستوى المعيشة والأسعار ظل يراوح مكانه بعد الحراك، وأن ثمن السردين لوحده شهد انخفاضا خلال الأيام الأولى للحراك. وذلك راجع إلى كثرة العرض وقلة الطلب بعدما أضرب بائعو السمك عن العمل تضامنا مع محسن فكري. عدا ذلك، تبدي جولة سريعة في السوق أن المدينة لا تعيش أي تفضيل أو استثناء في الأسعار، بل على العكس من ذلك تشتكي ساكنتها من الغلاء الذي تشهده طيلة السنة رغم محدودية مواردها، بل يصبح الغلاء مفرطا في فصل الصيف.. وعن هذه الوضعية الاجتماعية ترى “وردة العجوري”، أستاذة بالعالم القروي، أن الوضع لازال كما كان عليه سابقا وأنها تقف يوميا على حجم معاناة التلاميذ والعاملين بهذا القطاع، وعلى الوضعية المتدهورة للبنيات التحتية وغياب أدنى شروط التحصيل العلمي. إذ تقول العجوري موضحة أنه “يكفي دليلا على ذلك أني أدرس تلاميذي والسقف يقطر علينا ويتحول القسم إلى شبه بحيرة كلما أمطرت”.

جميع الفاعلين المدنيين بالمنطقة يؤكدون على أن حرية التعبير وحرية التجمع والتظاهر في الشارع العام هي أكبر مكسب حققه الحراك، أمر أكده فيصل أوسرد، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والناشط بلجنة الحراك، يقول إن الحراك هو بمثابة استعادة لعزة النفس والإحساس بالمفخرة لدى المواطن الريفي، وعلى أن سلمية المظاهرات والتنظيم المحكم الذي ميزها عكس رقي المنطقة في الاحتجاج، وأن أكبر مكسب حققه الحراك هو الانفراج في الحريات العامة، وكذا ما أحدثه من تغيير على المستوى الفكري للساكنة، فحتى الذي لم يسبق له أن انخرط في أي حراك بما فيه حراك عشرين فبراير سنة 2011، أصبح هذه المرة يشارك في أشكال الحراك الاحتجاجية، وهذا تحول عميق أحدثه مقتل محسن فكري، الذي جمع حوله فئات اجتماعية مختلفة ومشارب سياسية وثقافية وجمعوية متعددة.

الميناء وسقوط ورقة التوت

يبقى قطاع الصيد البحري بالحسيمة الذي يعد العمود الفقري الذي يضمن العيش لساكنة كبيرة، من أكثر القطاعات التي كانت تنتظر أن يكون للحراك أثر عليها، خاصة وأنه القطاع الذي منح الشهيد محسن فكري، “كنا نتمنى أن يكون حادث مقتل الشهيد الذي قدم روحه للإقليم وللوطن سببا لتغيير وضعية البحارة، غير أن وضعية الانتظار لا زالت قائمة”، هكذا وصف “بنزيان محمد”، رئيس جمعية البحارة الصيادين بميناء الحسيمة، الوضعية بعد مقتل بائع السمك محسن فكري، فالقطاع الذي يشغل حوالي 2600 إلى 3000 مواطن بالمنطقة موزعة بين الصيد الساحلي والصيد التقليدي، كان يأمل في أن تشكل الفاجعة دافعا لإخراج مدونة للصيد البحري إلى حيز الوجود، فالقطاع الذي يعيل حوالي 30000 ألف فرد من أسر البحارة وعوائلهم، لا يزال يتم تسييره بالأعراف حسب كل ميناء، كما أكد لنا محمد بنزيان أن غياب قانون مؤطر لهاته الفئة يجعلها تعاني الكثير من المشاكل الاجتماعية، سواء على مستوى التقاعد أو التغطية الصحية أو التأمين على الحياة، بنزيان أشار إلى أن ملفات الـتأمين تنتهي في دواليب المحاكم والمساطر الطويلة، وأن بعض حالات أرامل البحارة والصيادين لا يترك لهن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سوى مبلغ عشرة دراهم لليوم، أي ما معدله 300 درهم شهريا، وفي ظل هذا الحراك وما يتوافد على الحسيمة من إعلاميين أجانب ومنظمات دولية، قال محدثنا على “أننا كبحارة نخجل أن نصرح بذلك كي لا نكون سخرية للعالم، وأننا نخفي الكثير من المعاناة كي لا نوسخ وجه وطننا رغم أننا نريد أن نقول الحقيقة”.

وضعية البحارة والصيادين بميناء الحسيمة لم تعرف أي تغيير، وذلك رغم الزيارة التي قام بها ممثلون عن وزارة الصيد البحري لمهنيي الصيد التقليدي بعد وفاة محسن فكري، ونتيجة لذلك، يقول بنزيان، “إننا كأرباب مراكب وجمعيات البحارة ومهنيين وممثلين للبحارة، فقدنا الثقة في جميع السلطات، ونحن نناقش الانخراط في الحراك من أجل إنقاذ القطاع من الإفلاس ومن أجل إنقاذ أسرنا من التشرد”. وضعية الجمود التي يعرفها ميناء الحسيمة جعلت العديد من المراكب تغادر نحو ميناء القنيطرة، ومن المنتظر أن تغادر ميناء الحسيمة مراكب أخرى، وهو أمر ناتج، يضيف متحدثنا، عن الوضعية الكارثية ووضعية الهشاشة التي يعانيها المشتغلون بالقطاع، ففي الصيد الساحلي كما هو شأن الصيد التقليدي، يؤكد بنزيان على أن كل ما حققه الحراك هو تسييد حالة من التسيب في الميناء، حيث أصبحت السلطات المعنية تغض الطرف عن مجموعة من الاختلالات، خاصة وأنه بعد اعتقال مندوب الصيد البحري السابق وتعيين آخر مؤقتا لتسيير القطاع، يتم تبرير الوضع بأنه ليس سوى مجرد مندوب مؤقت.

“علي شفيع”، الفاعل النقابي بالاتحاد المغربي للشغل، يؤكد على أنه بعدما كان نائب المندوب السابق والمعتقل حاليا، محط شكايات من لدن البحارة دون أن تتدخل السلطات، فإن البحارة حاليا يشتغلون بنوع من الأريحية بعد فاجعة محسن فكري، إلا أن التغيير الذي كان من المنتظر أن تشهده وضعية البحارة بعد الحراك لم يحدث بعد، لأن ملف البحارة، يضيف الناشط النقابي، هو “ملف معقد ومرتبط بسيادة لوبي متواطئ مع الفساد السائد بقطاع الصيد البحري”.

الفوضى متنفسا

عين أي وافد على مدينة الحسيمة بعد حادث محسن فكري، لا يمكن أن تغفل أن العديد من شوارعها أصبحت أرضها مكسوة بسلع الباعة المتجولين. أحد الباعة صرح أن عدد الباعة المتجولين ارتفع بعدما أصبحت السلطة المحلية لا تضايقهم، فيما أضافت مواطنة أن السوق الأسبوعي بالمدينة الذي يحتضنه المركب التجاري، أصبح يعرف حالة تسيب جراء استغلال فضاءات عامة خارج المركب، وأنه لا يتم التمييز بين مواقف السيارات وممرات الراجلين. فيما أثار فاعل جمعوي أنه عوض الاستجابة لمطالب الحراك، هناك تسييد لحالة تسيب تساهم في تكريس الفساد، وأن العجز على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية يتم التنفيس عنه بهذا التسيب وبإطلاق الأمور على عواهنها إلى أن ينطفئ وهج الحراك.

أعمال هدم وإصلاح للبيوت وزيادة طوابق سكنية، أمور أشار إليها الكثيرون واعتبروا أن أغلبها يحدث دون أخذ تراخيص من السلطات المعنية، وأن هذا الأمر من مخلفات الحراك، فمدينة الحسيمة التي كان يمنع فيها تجاوز الطابق الرابع، أصبحت تعرف حاليا في بعض الأماكن إنشاء بيوت تصل إلى الطابق الخامس والسادس أحيانا. “آمال الزياني”، فاعلة جمعوية، أكدت على أن من آثار مرحلة ما بعد مقتل محسن فكري سيادة نوع من الفوضى في السوق الأسبوعي بعد اعتقال “القايد”. وفي اتصال بـ”خالد البشريوي”، النائب الرابع لرئيس بلدية الحسيمة المكلف بالتعمير، تعذر على هذا الأخير الإدلاء بمعلومات حول الموضوع بسبب انشغاله حسب ما صرح به.

الأمن في حمى المواطن

“وردة العجوري”، الأستاذة في التعليم الابتدائي والناشطة بالحراك الذي تعرفه الحسيمة، قالت تعليقا على مستوى تعامل الإدارة، “رغم أننا لم نصل إلى التغيير المنشود، فهناك تغيير في سلوك الإدارة تجاه المواطنين، مرتبط بحسن الاستقبال والتعامل المحترم مع المواطنين”، وأكدت على أن اللجنة المؤقتة للحراك بصدد إعداد ملف مطلبي شامل يضم مطالب جميع المناطق التابعة للإقليم. “الأمر الذي أثار إعجابي هو الأمن الذاتي الذي انبعث من أبناء وبنات الشعب، عن طريق تكوين سلاسل يدوية لحماية الحراك من العنف أو الفوضى”، تضيف وردة التي قالت إن المواطنين أصبحوا يحمون الأمن، فالمسيرات حين كانت تصل قرب مؤسسات الأمن كان المواطنون يسيجونها بأجسادهم لحمايتها من أي احتمال للعنف، هكذا علقت وردة على تغير العلاقة بين الأمن والمواطن منذ حادثة محسن فكري، ولم تخف على أن وضعية الحكرة لم تنته في جوهرها، لكن شكليا فإن “السلطة ولات كدير الصواب”، والدليل على أن جوهر السلوك لم يتغير، تضيف وردة، هو وضعية العمال المطرودين من معمل الحليب، الذين يعتصمون ما يقارب شهرا أمام عمالة الحسيمة ويبيتون في العراء في برد الحسيمة القارس، ولم تحرك العمالة ساكنا تجاه ملفهم العالق منذ ثلاث سنوات، فكل ما استطاعت أن تقدمه لهم هو السماح لهم بالاعتصام.

نفس الأمر أكده “التجاني الخطابي”، أحد العمال المطرودين، والفاعل النقابي بنقابة “الفضاء الديمقراطي” المنشقة محليا عن الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث صرح أنه طيلة ثلاث سنوات من الاحتجاج من أجل العودة لعملهم، كان يمنع عليهم منعا باتا نقل احتجاجاتهم خارج ساحة المعمل، حيث كانوا يخوضون اعتصامهم منذ 19 دجنبر 2013 ببني بوعياش، وأن محاولة الخروج ونقل الاحتجاج خطوة واحدة خارج المعمل كانت تواجه بالتدخل العنيف للسلطات، فلولا الحراك الذي أججه مقتل محسن فكري، يضيف التيجاني، “ما كانت لمسيرتنا أن تصل إلى باب العمالة بعد أن قطعت 25 كيلومترا سيرا على الأقدام من بني بوعياش”.. فيصل أوسرد، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أشار هو الآخر للتغير الذي طرأ على سلوك الإدارة الذي أصبح يتسم بحسن الاستقبال وبتواصل المسؤولين مع الساكنة، وهو التعامل الذي يأمل الفاعل الجمعوي ألا يكون مؤقتا وبأن يستمر دائما بالحسيمة.

“علي شافيع”، الناشط بالاتحاد المغربي، أكد أن حادثة محسن فكري شكلت بداية تغيير في السياسة الأمنية بالمدينة، حيث لم يسجل أي تدخل عنيف في حق المحتجين، وأن الأمن أصبح يغض الطرف حتى عن الأمور التي فيها خرق للقانون. كما أكد على أن الساكنة استفادت من تاريخ الحراك بالمنطقة ولم يتيحوا فرصة للأمن للتدخل.

حالة استثناء.. نعم أم لا

رغم تشديد أغلب المسؤولين على أن المنطقة لا تشهد اتخاذ تدابير استثنائية بعد حادثة محسن فكري، فهذا لا يلغي اليقظة والمتابعة المستمرة من طرفهم لمجموعة من الملفات: مدير وكالة المكتب الوطني للضمان الاجتماعي بالحسيمة “الزهار محمد” صرح . أنهم كوكالة لم ينتظروا وقوع الحادث للوقوف على واقع الحماية الاجتماعية والصحية بالمنطقة، معتبرا أن التدابير التي اتخذها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على المستوى الوطني، شكل محور التغطية الاجتماعية محورا استراتيجيا ضمن محاورها وذلك منذ 2005. وعن واقع الحماية الاجتماعية للبحارة والصيادين الذي يعد من الملفات الشائكة في المنطقة، يقول “الزهار” ليست هناك أي تدابير استثنائية بعد مقتل محسن فكري، حيث إن البحارة أصبحت وضعيتهم أفضل منذ نهاية 2010، ما يثبت الأمر أن الوكالة منذ ذلك الحين لم تعد تعرف احتجاجات البحارة كما كان الحال عليه سابقا حين كان المحتجون يتوافدون أمام الوكالة شهريا. و”أكد الزهار” أن نوعا من المتابعة الأسبوعية بل واليومية لملف البحارة أصبح يشرف عليه شخصيا تلافيا لأي مشاكل.

“سالم الغبزوري”، مفتش الشغل بالحسيمة، قال “نحن في الحسيمة لا نعيش حالة استثناء”، جوابا عن سؤال حول التدابير التي اتخذتها مندوبية الشغل بعد حادثة محسن فكري، رغم أن مصادر مطلعة أكدت ، أنه تم إيقاف عملية محاولة طرد العشرات من العمال الفندقيين تفاديا لصب الزيت على النار في ظل الحراك الذي تعرفه المنطقة.

ورغم المجهودات المبذولة من طرف مندوبية الصحة، فقد عبر العديد من المواطنين والفاعلين المدنيين عن عدم رضاهم عن وضعية القطاع بالمنطقة، وصرح مندوب الصحة الإقليمي بإقيلم الحسيمة، حسن قناب، أنه بعدما كان قطاع الصحة يعاني من الخصاص في الطاقم الصحي والمعدات ومن تعقيد المساطر الإدارية، فحاليا تم التعجيل بمجموعة من التدابير التي تهم الصحة بالمنطقة، حيث تم فتح مجموعة من المستوصفات التي كانت مغلقة في المناطق النائية مثل “تاملوكيت” و”بني حمد” و”واعضية”، وتم إخضاع مستوصف “أزيلا” للإصلاح، كما تم تزويد مجموعة من المراكز الصحية بالممرضات والممرضين وكذا تعيين أطباء بمجموعة من المراكز، وتم تزويد مستشفى محمد الخامس بالأدوية وتسريع وتيرة الأشغال به، كما تم تفعيل الأشغال بمستشفى إيمزورن، وأن مجموعة من التجهيزات والمعدات الثقيلة هي في طور التوفير، مثل جهاز السكانير 3D، وأن أطباء اختصاصين هم في طور التعيين، كما تم الرفع من وتيرة مشروع بناء مستشفى من 15 هكتارا في إطار مشروع المنارة المتوسط.

المندوب أكد كذلك على أنه تم إعطاء تعليمات من أجل تحسين الخدمات الاجتماعية بالقطاع محليا، ومن أجل سرعة التجاوب والتفاعل مع المواطنين، وبأنه تم تحسيس الطاقم الصحي، من الممرضين والأطباء، بضرورة حسن استقبال المواطنين والعمل الجدي.

وعن الركود الاقتصادي الذي تعرفه المدينة وتفشي العطالة في صفوف شبابها، أكد مدير الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات بالحسيمة “لا نابيك”، عثمان لمعيز، على أنه “لا تشغيل في الحسيمة بدون منطقة صناعية”، وعلى أن التشغيل رهين بوجود استثمارات ووحدات إنتاجية لتوفير فرص الشغل، وهو مسؤولية مشتركة وتلقى خاصة على عاتق الجماعات الترابية، كما أكد مدير الوكالة على أنه ليست هناك أي مواكبة للحاجيات المتزايدة للشباب بالحسيمة، وعلى أن التكوين المستمر يجب أن يشمل حتى الشباب غير المتعلم لإعطاء فرصة للجميع وللجواب عن المبرر الذي يقدمه المشغلون بالقول بعدم وجود كفاءات، كما أكد على ضرورة خلق أرضية محلية فيما يتعلق بالتشغيل الذاتي.

وشأنه شأن العديد من المسؤولين، أكد هو كذلك على أن التقسيم الجهوي الجديد ألقى بظلال سلبية على المدينة، فبعد إلحاق الحسيمة بطنجة، ازداد الوضع الاقتصادي والاجتماعي تأزما وارتفعت نسبة العطالة، فنقل مندوبية الصحة ومندوبية الشغل ومندوبية التعليم والأكاديميات والعديد من المصالح الأخرى إلى مدينة طنجة، كان له أثر سلبي على الرواج التجاري بالحسيمة، حيث خطفت مدينة طنجة الضوء عن مدينة الحسيمة وأصبحت هاته الأخيرة كأنها مجرد قرية هامشية بعدما كان لها دور مركزي في التقسيم الجهوي السابق، وهو أمر أشار الكثيرون إلى دوره في تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالمنطقة وفيما آلت إليه الأوضاع فيما بعد.

محسن فكري يخرج المرأة الريفية من بيتها

“فاطمة الزهراء الوزاني” عن جمعية الأمل للتنمية النسائية، والمستشارة الجماعية السابقة بجماعة “سنادة”، أكدت لـ ، أن النساء في المنطقة هن الأكثر تضررا في المنطقة، حيث أكدت على أن غياب وسائل النقل والطرق المعبدة يجعل العديد من الفتيات يتوقفن عن التمدرس في منطقة محافظة، إذ يرفض أغلب أهلها السماح للفتيات باستكمال دراستهن خارج الجماعة، فبالأحرى خارج الحسيمة، كما أشارت إلى ارتفاع نسبة الانتحار في صفوف الفتيات بجماعة “سنادة”، الأمر الذي أرجعته الفاعلة الجمعوية إلى غياب الوعي وسيادة العنف في محيطهم الاجتماعي والأسري، وأشارت الفاعلة النسائية أن إغلاق معمل تصبير السمك بالحسيمة كانت له آثار سلبية على نساء الحسيمة، فقد كان يوفر مناصب شغل لأغلبهن، وأن غياب جامعة بالحسيمة يساهم إضافة للعقلية المحافظة السائدة في المنطقة، في حرمان الفتيات من استكمال دراستهن الجامعية، فأغلب الفتيات يتوقفن عن الدراسة عند حدود الباكالوريا حتى وإن كن متفوقات، فالأسر لا تسمح لهن باستكمال دراستهن خارج المدينة، هذا ناهيك عن الفتيات اللواتي يتم توقيفهن عن الدراسة عند حدود السادسة ابتدائي بالمجال القروي.

لا شيء تغير في وضعية نساء المنطقة سوى أن عاطفتهن أخرجتهن إلى الشارع، “لأن طريقة موت محسن فكري كان لها وقع كبير علينا”، هكذا تعلق “آمال الزياني”، منسقة مشروع أزير لحماية البيئة وممثلة مركز الدراسات الإسباني “EVALUANDO” بالمغرب، الذي يشتغل على متابعة المشاريع التي يتم عقدها مع الاتحاد الأوروبي ومنظمة العمل الدولية، وتقول الباحثة في الشؤون الاجتماعية كذلك “إن الحكرة لا زالت قائمة ونعيشها بشكل يومي”، وإن ما فعله الحراك هو أنه غير شيئا ما في الذهنيات، حيث بعد أن قادت العاطفة النساء بالمنطقة للخروج بشكل عفوي، أصبح هناك نوع من الاحترام، وهي تستشهد بقول ابنها ذي الـ15 سنة الذي قال “إنه بعد وفاة محسن فكري أصبحنا نحترم البنات”، ورغم ما تعرفه المدينة من بعض مظاهر الفوضى، فإن الإيجابي في الحراك، تضيف آمال، هو أنه “أثبت أن الشعب قادر على تسيير نفسه بنفسه”، وهو الأمر الذي برهن عليه الانضباط العالي لجميع المواطنين أثناء المسيرات، بمن فيهم أولئك الذين لم يسبق لهم أن انخرطوا في أي احتجاج أبدا، كما أن الحراك أنعش الحركة التلاميذية وحركات نضالية أخرى، وأعطى دينامية للمجتمع المدني وإن لم تكن له نتائج ملموسة حاليا، فهو سيساهم في خلق جيل قادر على الترافع على حقوقه وعلى السجال والنقاش في قضايا أساسية في المجتمع، تضيف الفاعلة الجمعوية.

إعداد: سعيدة الكامل

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.