يا ممرضي المغرب اتحدوا

مما لا شك فيه أن مهنة التمريض تطورت كثيرا في العقود الماضية؛ فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحديدا و هي في تطور مستمر و يكفي فقط أنها حصلت على لقب أحسن مهنة لسنة 2012؛ و صرنا الآن نتحدث عن كليات علوم التمريض و عن اختصاصات تمريضية تواكب كل مجالات اختصاص الطب و تتفاعل معها؛ و دكاترة في علم التمريض. و لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة لماذا ظل الممرض المغربي بعيدا عن دينامية هذا التطور و لماذا يستهان بمهنة التمريض في المغرب لحدود الساعة ؟

الممرض المغربي عنوان صريح للمعاناة اليومية التي يتلقفها من كل صوب بدءا من ظروف عمله داخل المستشفيات مرورا بكم المهام الهائل المنوطة به و انتهاء ا بالحيف القانوني الرهيب الذي يمسه ؛ هي إذن مهنة بطلها مغامر غير معترف به ؛ يحاول أن يستجمع القوى لكي يلبي رغبات الكل ( المرضى ؛ العائلات ؛ الإدارة ) و نظرا لصعوبة المهمة فهي لا تكتمل ؛ في أعماقه يؤمن أنه حاول و في مخيلة المحيطين به فشل لأنه لم يتمكن من تحقيق كل انتظاراتهم. و النتيجة هي ما آلت إليه أوضاع المهنة اليوم. و كل هذه المشاكل و الثنائيات المتناقضة أسبابها متعددة و كثيرة و لكن منبعها واحد يتلخص في أزمة وعي يعاني منها الجسد التمريضي.

إن أزمة الوعي هذه تنجلي بوضوح تام ؛ فالممرض المغربي يهضم كل الخروقات التي تمسه دون أن يحدث صوتا أو أن يجسد رد فعل و ينسى أنه ركيزة أساسية في المنظومة الصحية المغربية لا بل إنه محورها و محركها الأساس و متى وصل لفهم هذه الحقيقية فالأمر عندئذ لن يبقى على ما هو عليه ، و يبقى السؤال المطروح بشدة : ما هي تجليات أزمة الوعي هذه ؟

لا يختلف اثنان أن علم التمريض صار مستقلا بذاته له نظرياته و مفاهيمه الخاصة و أسسه مبنية على بحث علمي عميق مما جعل التكوين و التحصيل منظما من طرف الدولة و متعارف عليه عالميا ما منح للممرض استقلالية و هوية و لكن هذا التطور لم يصل إلى المغرب إلا متأخرا و تحديدا في أواخر ألتسعينات أي أن هذه المفاهيم لم تجد طريقها بعد إلى الممرض المغربي هذا ما أنعكس سلبا عن فاعليته و تأثيره و منعه من التفكير بمنطق أنه ذو ثقل وازن و له الحق في طرح الأفكار و المساهمة في تسطير سياسات التسيير في الميدان الصحي و الانتقال من نمطية كونه عنصرا هامشي إلى نمطية كونه عنصرا مخططا . إن الممرض المغربي أحوج ما يكون لمواكبة دينامية هذا التطور إن هو أراد أن يكسر كل القيود التي تكبله و هي عديدة بدءا من التفرقة السائدة داخل صفوف أبناء نفس المهنة و انقسامهم كالفتات على النقابات   من جهة و من جهة ثانية الحيف القانوني الرهيب الذي يمسهم  فلحدود  الساعة و نحن على مشارف توديع سنة 2015 ما زلنا نشهد غيابا واضحا لتعريف صريح للممرض المغربي في ظل عدم وجود إطار قانوني يأطر مهامه خصوصا و ان المتابعات القضائية التي تطارد ملائكة الرحمة زادت وتيرتها مؤخرا ؛ و إن بات الكل يتحدث عن قانون تنظيمي للمهنة في طور الصياغة فإن هذا الأخير لا يرقى للمستوى المطلوب و لا يلبي ربع طموحات الممرض.

   لعل أن إشكال غياب هيئة وطنية للممرضين يزيد حجم معاناتهم فهذه الأخيرة هي التي من شأنها أن تدافع عن هوية المهنة بكونها ذات صلاحية تقريرية و لها الحق في منح رخص المزاولة كذا مراقبة القطاع الخاص فيما يخص ظروف عمل الممرضين و تحديد الأجر المتقاضى و تعميمه على الصعيد الوطني و هي الجهة التي من شأنها أن تبث في قرارات المعادلة بالنسبة للممرضين الأجانب الراغبين في مزاولة المهنة داخل التراب الوطني ناهيك عن كون الهيئة هي اللسان المتحدث بآسم الممرضين كونها تكون منتخبة . إن حديثي المطول عن هيئة مستقلة للممرضين نابع من إيماني العميق من ضرورة خلقها إن أردنا أن تمضي قدما بالمهنة فهي بمثابة السفينة التي ستنقذنا و تعيد للممرض المغربي كبريائه و هويته في ظل العشوائية المتفشية من جهة و من جهة ثانية في ظل آستهتار النقابات بمطالب الممرضين . و لكن يبقى السؤال المطروح متى سيتم خلق هذه الهيئة ؟؟ .

إن هضم هذه الخروقات جعل واقع المهنة محزنا فبات الممرض المغربي في نظر المواطن هو الشخص الذي يجب أن يقوم بكل شيء و لكنه لا يقوم بأي شيء … ناهيك عن الصورة السوداوية القاتمة المرسومة عنه باعتباره وحشا كاسرا و إنسانا ماديا لا يسعى إلى وراء المال و ابتزاز المواطن و إن نجى من براثين هذه الأطروحة الأولى فإنه لا مجال من النجاة من شبح الأطروحة التي تنعته بالإنسان العبوس الذي لا يعرف معنى الابتسامة. على العموم و نحن نكرر هذا الكلام الروتيني لسنا بصدد تأكيده بل بصدد القول أن الدافع نحو التصريح به من طرف المواطن البسيط و المغلوب على أمره هو السكوت الرهيب للممرض  فلو عمل هذا الأخير على تعريف مجال تدخلاته و اختصاصاته لكانت الصورة أكثرا وضوحا و لكانت المسؤولية واضحة من يتحملها.

ان السياسة الصحية المغربية هشة جدا في اطار غياب خطة واضحة المعالم من شأنها الرقي بهذا القطاع هذه هي الحقيقة المرة التي يجب على الممرض أن يعرفها و يؤمن بها ؛ و عندما أكتب هذا الكلام فإنني بصدد إرسال رسالة واضحة إلى أصدقائي أصحاب البذلات البيضاء أقول لهم إن الرقي بالمهنة لا يشكل جزء ا من خطط الوزارة الوصية رغم الشعارات الرنانة التي لا ننفك نسمعها كل وقت و حين… فيا ممرضي المغرب اتحدوا.

بقلم ممرض غاضب

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.