إقتصاد الحسيمة من القمة إلى القاع

بالأمس القريب كانت مدينة الحسيمة من المدن التي تعرف نشاطاً إقتصادياً مهماً تضاهي به المدن المغربية الكبرى وقد كانت المدينة تستمد قوتها من تحويلات أبناء المنطقة المقيمين بالمهجر وكذا قوة قطاع الصيد البحري الذي يوفر المئات من مناصب الشغل المباشرة والغير المباشرة، هذا القطاع الحيوي كان يعتبر العمود الفقري لإقتصاد المدينة حيث يساهم في تنشيط مجموعة من القطاعات، كما أن القطاع السياحي كانت له مكانته الخاصة رغم أنه قطاع موسمي.
لكن هيهات بين ما كانت تعيشه المدينة بالأمس وبين الواقع المؤلم الذي تعيشه اليوم حيث إندحر الإقتصاد بالمدينة وأصبحت ساكنة الحسيمة تعيش أوقاتاً عسيرة قد ينتهي بها الأمر للهجرة صوب مدن أخرى أو التفكير في الهجرة خارج البلد وبأي طريقة، نعم هذا هو المتوقع في ظل هذه الأزمة الخانقة، وقد بدأت معالم هذه الهجرة في الظهور حقاً منذ أسابيع وذلك بالهجرة الجماعية لمراكب الصيد والبحارة في إتجاه موانئ أخرى بسبب قلة الثروة السمكية وكذا الهجمات المتتالية للدلفين الأسود على شباك الصيد المستعملة مما يتسبب في تكبيد أرباب المراكب خسائر تقدر بالملايين لذلك لم يجد أصحاب هذه المراكب أي خيار سوى الهجرة الجماعية وفسح المجال لهذا الدلفين ولبعض الدلافين البشرية قصد الإستجمام وتحويل ميناء المدينة من ميناء للصيد إلى ميناء ترفيهي سيخصص لرسو يخوت ألخليجيين لإستباحة المدينة كما إستباحوا مدناً أخرى بمجموعة من الدول.
إنشاء الميناء الترفيهي وسط ميناء الصيد كانت له سلبيات أخرى غير ما تم ذكره سالفاً حيث ترتب عن ذلك ترحيل البحرية الملكية إلى قاعدة الناظور وهو ما كان له تأثير كبير على تراجع الرواج الإقتصادي، السلطات الوصية لم تكتفي بترحيل البحرية الملكية صوب مدينة الناظور بل تعدت ذلك بحرمان المدينة من دورها كعاصمة للجهة في إطار التقسيم الجهوي الجديد أو ما يسمى بالجهوية الموسعة أو المتقدمة ليتم تنقيل مجموعة من المصالح والإدارات الجهوية صوب مدينة طنجة ونظرًا لتوفر هذا المصالح على موظفين تابعين لها كان لزاماً عليهم الإلتحاق بمدينة طنجة لمزاولة مهامهم ليتركوا فراغاً كبيرا بالمدينة، رحيل الموظفين ليست الخسارة الوحيدة المترتبة عن فقدان صفة عاصمة الجهة حيث تأثر القطاع السياحي من هذا التغيير وذلك بخسارة توافد مجموعة من المسؤولين واللجان على الحسيمة لعقد اللقاءات والندوات مما ينعكس إيجابا على حركة الفنادق والمطاعم والمقاهي…..حتى تحويلات أبناء الريف المغتربين في بلاد المهجر أصبحت تتراجع بشكل مهول في السنوات الأخيرة متأثرة بالأزمة الإقتصادية العالمية، فبعدما كانوا بهذه التحويلات يعيلون عائلاتهم أصبحوا اليوم عالةً في حاجة لمن يعيلهم.
ولأن المصائب لا تأتي فرادًا فقد أطل الزلزال مجدداً على الحسيمة بعد أكثر من إثنتي عشرة سنة ليزيد الطين بلة وتضاف الأزمات النفسية إلى الأزمة الإقتصادية ولكن الفرق بين الأزمتين أن الأولى من صنع الله والقدر أما الأزمة الثانية من صنع البشر.
ألم يحن الوقت لإعتبار الحسيمة مدينة منكوبة وفي حاجة لسياسة تنموية خاصة نظراً لمجموعة من الخصوصيات منها ما هو جغرافي باعتبارها نقطة حدودية ونقطة عبور نحو أوروبا،ومنها ما هو جيولوجي نظرا لأن المدينة تتواجد على خط زلزالي قد ينشط في أي وقت، ومنها ما هو إقتصادي والمتمثل في كون الحسيمة تفتقر للموارد القارة بسبب نهج الدولة لسياسة إقصائية ممنهجة ووضع العراقيل أمام الراغبين في الإستثمار بالمدينة وتوجيههم صوب مدن أخرى مبررين ذلك أن الحسيمة ستكون وجهة سياحية. هذا ما يدفعنا للتساؤل عن أي سياحة يتحدثون ؟ هل السياحة الموسمية ستحل المشاكل؟ لا أعتقد ذلك فالسياحة في حاجة إلى بنيات تحتية قبل حاجتها للبحر والجبال والمناظر الطبيعية، هل نسيتم أن المدينة لا تتوفر على مطار بمعناه الحقيقي ولا تتوفر على أي خط للسكك الحديدية رغم تقدم البلد في هذا المجال وأصبحنا نسمع بالتيجيفي والترامواي بمدن المغرب النافع في حين لا زلنا نحلم بقطار بسيط يمر عبر الحسيمة وحتى السفر عبر الطرقات المتهالكة التي نتوفر عليها يعد مغامرة تهابها الساكنة فما بالكم بالسياح، أين الوحدات الفندقية المصنفة فالطاقة الإيوائية يمكن عدها على رأس الأصابع.
لذلك رجاءً منكم كفاكم ضحكا على الذقون وابحثوا عن حلول مقنعة إن كانت الحسيمة تهمكم أو إتركونا لحالنا فمن خلقنا قادر على رعايتنا والإهتمام بِنَا أما من يحلم بتهجيرنا عن ريفنا العزيز فهو واهم لأننا هنا قاعدون.

عبد المجيد يكور

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.