سكيزوفرينيا العدالة والتنمية والكيف

وأنا أتابع الأخبار المتناثرة هنا وهناك حول قافلة المصباح وخاصة زيارة القافلة للمناطق التاريخية لزراعة الكيف كإساڭن، باب برد وبني بوفراح، وكذا ردود الأفعال والأقوال التي صاحبت الندوة الدولية حول الكيف والمخدرات المنظمة بجهة طنجة تطوان الحسيمة يومي 18و19 مارس والتي قاطعها فريق الحزب بالجهة وكل الأحداث السابقة والأخبار المتعلقة بهذه النبتة ; وخاصة الردود الخارجة من أعضاء ومتعاطفي الحزب الحاكم ومريديه. تتبادر إلى ذهني مجموعة من الأسئلة المزعجة حول علاقة حزب العدالة والتنمية بزراعة الكيف ونظرته للفلاحين وتصوره ككل للملف.

قافلة المصباح زارت كل من تارڭيست، دوار أونوث بجماعة بني بوفراح واساكن بإقليم الحسيمة وسأتوقف عند هذه الأخيرة التي التقى فيها وفد المصباح كما نشر ذلك في صفحاتهم بمنتخبي الجماعة بفندق تدغين،المنتخبون الذين وصفهم محمد إدعمار النائب البرلماني عن إقليم تطوان و رئيس بلديتها ب “مخ ساكنة إساكن”، وهذا الوصف هو سياسي بامتياز فلو كان ادعمار يعرف حقا المنتخبين لوصفهم بشيء أخر غير المخ، وبالعودة إلى الصور التي نشرت عن هذا اللقاء يظهر أن وفد القافلة اكبر من عدد المنتخبين الحاضرين. أما في تاركيست وبني بوفراح فالصور أيضا تكشف الكثير، فاغلب الحاضرين من الحسيمة أتوا مع الوفد، فقط كتاب الفروع المحلية من وجدوا في استقبالهم مع بعض العناصر القليلة من أصدقائهم.

قافلة المصباح تزور إذن مناطق زراعة الكيف، لكن بالمقابل في كل مرة يفتح فيها النقاش حول الزراعة تطل علينا الكتائب الالكترونية للحزب بتعاليق وردود أفعال رافضة للحديث عن الموضوع ورابطة إياه بالاستغلال السياسي والرغبة في استمالة الأصوات الانتخابية،وحتى تصريحات صقور الحزب لا تخرج عن هذا الإطار. ولا ادري في أي إطار سنصنف هذه الزيارة(القافلة)؟

هذه الردود والتصريحات كانت ستكون مقبولة لو أن الحزب يقدم بديلا ويضع تصورا واضحا خاصا به لمعالجة الموضوع, إلا أن شيئا من هذا غير موجود. وهو ما يجعل من الاسترزاق السياسي وتصفية الحسابات السياسية بهموم المواطنين بأعالي جبال الريف الذين اكتووا بنار هذه النبتة سمة أساسية لهكذا خرجات وتصريحات.و لن ندخل هنا في نقاش حيثيات وأهداف الجهات التي تفتح النقاش بين الفينة والأخرى، ولا الأهداف الحقيقية من قافلة المصباح، لان ما يهمنا كفاعلين مهتمين بالموضوع في هذه المرحلة هو فتح هكذا نقاشات وإخراج الملف من خانة الطابوهات, ولأننا لسنا عرافين ولا عالمين بنيات البشر رغم يقيننا بان السياسي في هذا الوطن يستغل كل شيء أمامه من اجل الكرسي. لكن من حقنا أيضا أن نتساءل عن طبيعة علاقة أعضاء الحزب الحاكم بنبتة الكيف، ونظرتهم لهذا الموضوع،ومن حقنا أن نطالبهم بتصور واضح ورسمي بما أن الحزب هو من يقود الحكومة، فان كان حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة قد عبرا في أكثر من مرة عن أرائهم وتصوراتهم وقدما مشاريع قوانين لتقنين النبتة(وهي المشاريع التي نعارضها كمجتمع مدني يشتغل وينتمي لمناطق الزراعة)، فان الحزب الحاكم لا زال لم يبرح مكانه ولا زال يعتمد في حديثه عن الكيف على نظرية التشكيك في النوايا التي لا يعلمها إلا الله شانه في ذلك شأن كل أحزاب الأغلبية الحكومية.

لخير دليل على هذا الرفض،( فما هي مقترحاتهم كحزب كل المغاربة وليس حزب مناطق دون أخرى؟ ما هي نظرتهم الرسمية لهذا الملف ولمزارعي هاته النبتة؟ متى سنرى موقفا واضحا ورسميا ومقترحات من قبلهم نستطيع مناقشتها ومقارنتها بمقترحات الآخرين؟ وان كانت الندوات حول الكيف تستغل انتخابيا، أليس من حق أنصار الجرار والميزان أن يطلقوا نفس الاتهامات على مبادرات العدالة والتنمية كمنتدى الخبراء والباحثين المنظم من طرف جهة درعة تافيلالت التي يترأسها الحبيب الشوباني الوزير السابق الذي غادر الحكومة بفضيحة. وسنسقط في هذه الحال في دوامة التشكيك التي لا خروج منها( السياسيون المغاربة لا يتنافسون بالأفكار ولكن بإلصاق التهم لبعضهم البعض ولعل الأحداث العديدة التي عرفها البرلمان لشاهدة على هذا)

وبعيدا عن الصراعات السياسية والاتهامات باستغلال الملف، هناك نوع أخر من البيجيديين الذين لا تتخطى نظرتهم عتبة الحرام والحلال، ولهؤلاء نقول: أليس الحرام الحقيقي في دولة الحق والقانون هو وجود مواطنين يفتقدون لأبسط حقوق المواطنة، أليس الحرام هو أن نكون في القرن الواحد والعشرين ولا زال هناك أناس يعيشون الذل والهوان والاحتقار حتى من طرف من يتحدثون باسم الحقوق والإنسانية وباسم الدين الحنيف، دين الإنصاف والمساواة؟ أليس عيبا أن نجد منطقة يقطنها أزيد من 10 ألاف نسمة بدون إعدادية ومستوصف وطرقات تربطها بالمدن والحواضر المجاورة؟ أليس عيبا أن يشق السكان طرقاتهم ويبنوا قناطرهم بأيديهم؟ أليس حراما أن تحرم أرامل المزارعين من منحة الأرامل التي تتبجحون بها؟

فيا معشر البيجيدين ما هذه الازدواجية في الآراء؟ كيف تفسرون تواجد فرع محلي ببني بوفراح وتاركيست وباب برد عواصم مناطق زراعة الكيف التاريخية؟ كيف سمحتم لأنفسكم بتقديم مرشحين في الانتخابات الجماعية والجهوية السابقة وهم من اشد المدافعين على الكيف إن لم يكونوا من مزارعيه؟وما هو هدف قوافلكم الصماء؟ ماذا تنتظرون من السكان في هذه المناطق، أن يمنحوكم أصواتهم وانتم تعلنون احتقاركم لهم وتجريمكم لزراعتهم التي يعيشون عليها. وإننا إذ نتحدث في هذا المقال عن ازدواجية التعاطي مع ملف الكيف فلأننا نريدكم أن تنخرطوا في هذا النقاش وتقدموا مقترحاتكم، أما نظرية المؤامرة والتشكيك في النوايا فإنها لن تفيد بشئ.

وفي الأخير أقول لكم ، إننا في مناطق الزراعة لا نجري في حدائق القصور كما أخبروكم، ولا نركب السيارات الرباعية الدفع التي لا توجد إلا في مخيلتكم، هنا الدمع والآهات، هنا التهميش والمعانات، هنا أطفال محرومون ونساء مضطهدات ورجال هاربون، معتقلون في حالة سراح، فرأفة بنا وبأهالينا لا تقتلوا ما بقي في قلوبنا من إيمان بان الوطن سينصفنا؟ لا تقتلوا إنسانيتنا بلا إنسانيتكم، لا تغتالوا كرامتنا في صفحاتكم الفايسبوكية وتعاليقكم المسمومة فهي ما بقي لدينا.

ملحوظة: هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة مقالات حول علاقة الأحزاب السياسية بملف الكيف، وفي الجزء الثاني سيتم التطرق لاحد الحزبين اللذان قدما مقترح التقنين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.