تدمير إقليم الحسيمة هل هو منهج للدولة أم نتاج تراكمات مختلفة ؟

تقهقرت الحياة الإقتصادية والإجتماعية بإقليم الحسيمة، وعرفت مؤشراتها كسادا وتدنيا إلى مستوى الصفر، ودلك عكس ما كان يعتقده الريفيين ويتوقعه مطبلي ومزمري العهد الجديد، إدبان إطلاق ما يسمى بمسلسل الإنصاف والمصالحة، وجبرر الضرر للمنطقة،و هذه المؤشرات الأنية التي تعيشها الحسيمة ما هي في الحقيقة إلى إماطة اللثام عن الأوهام، وعن واقع أصبح اليوم ملموسا عند جل فئات شرائح المجتمع، يعتبر كذلك أكبر مؤشر له دلالات تستدعى طرح تساؤولات عميقة في الموضوع، وهل هي اقتصادية أم نتاج دوافع سياسية ؟ و ماذا تحقق وما الذي لم يتحقق في الريف بفضل « زعما « الزيارات الملكية بعد رسوها وثباتها على رأس التحكم في النخب وفي الإطارات سنة 2004 .

 تقهقر المدينة التدريجي،أسبابه وتداعياته التي طالت الحياة الإجتماعية والفكرية بالريف،أثرت بصورة عكسية في المجتمع، ولم تكشف في طياتها سوى عن نوايا الحقيقية للدولة، بعد أن ضلت تصرف رؤاها الاستراتجية بعض النظر عن مدي صوابيتها، وترسخ في عقدها لمحو الذاكرة الجماعية وإستئصالها،واستهدافها لكل ما هو تاريخي وثقافي واجتماعي والإتيان علي ما تبقي من الإعتبارات والخصوصية المعنية بكينونة الإنسان الريفي،وبتجديرها لصراعات قبيلة وإثنية ومناطقية والتغدية عليها، في الوقت الذي كان يطمح فيها أهل الريف وينظرون إلي تحقيق مكاسب تعيد لمنطقتهم بعضا من الأمل بعد الحصار والتهميش الذي فرضه النظام الحاكم على أهلها لمدة تزيد عن 50 سنة، وهو محاول النظام الجديد تكرسه خلال فترة الزلازل بعد أن توغلت في المنطقة على طريقة المنظمات الماسونية مستغلة الظروف الانسانية والاجتماعية التي كان يجتازها الريفيين بمعزل عنها، لتعبير حسن عن نواياه في إنصاف أهلها و بفتح في المقابل أوراش تنموية ومشاريع اقتصادية كتعويض، لكن ما تتبين في الأخير من خلال هده الأزمة التي تمر بها الحسيمة فإنها لم تكن سوي تستدرج وتستميل في مكونات المجتمع المدني والسياسي والإستثمار فيها وتحويلها لمجرد دكاكين لقضاء الحاجة و لكسب الشرعية واعتباره شريكا مزيفا للمرحلة بغية التطبيل لمشاريعه السطحية التي لا علاقة لها بالبني التحتية ولا بالتنمية الحقيقة و لا بالحقوق الشرعية للمنطقة على الدولة .

فكما لا يخفي على أحد، فالحسيمة إلى حدود التسعينات كان لها إقتصاد منافس بمعامل التصبير، وبالتصدير والإستيراد في التجارة الدولية والوطنية، وكان ميناء الحسيمة من بين الموانئ الأولي من حيث الإنتعاش، بالاضافة الي كلوب ميدي تراني «  الدي كان واجهة سياحية تستقطب الالاف من الزوار من مختلف بقاع العالم،و » كيمادو « ،ومخيم «  كلابونيطا “،وإلى حدود الألفية الأولي برغم من كل الإكراهات كان على الأقل متوزانا، فكما هو معلوم  فإنه بالامس القريب،و بالظبط في فترة المورسكيين كانت الحسيمة تحتوي على ثلاث موانئ دولية وتعتبر الباب الرئيسي الى افريقيا من الناحية الغربية،ونذكر منهم ميناء بادس في بيقوة، وميناء النكور لايث ورياغل،وميناء ايث حساين بتمسمان،فما هو الفرق بين الماضي والحاضر وما الدي تغيير بين الأمس واليوم.

 الفرق هو أن المخزن عرف كيف يدير اللعبة بالإستحواد واستغلال مؤهلات المنطقة وعرضها للخلجيين، وكيف تسطير أدراعه المالية والعقارية على هكتارات من الاراضي، وعرف أيضا كيف يلعب علي التناقضات ليمرر أبعاده، وهو ما نراه اليوم أمام أعيننا من متغييرات في التحويل في منشأة لأخرى، وفرض أخري وفق لما تمليه أجندته حتى وإن كانت لا تستجيب لتطلعات ساكنتها ولا تضر عليهم أية نتيجة، كما هو الوضع حاليا بميناء الحسيمة حيث قامت بفرض إقامة ميناء ترفيهي بإستعمال القوة والوسائل المممكنة لكبح جماع الإحتجاجات التي كان يقودها أرباب المراكب على كاهل البحارة الصيادين، تري لمادا..؟ هل عشقا في رفاهية سكانها وجعلها واجهة سياحية كما يدعون وهي لا تتوفر على أبسط المقومات البنيوية والتنمية لتؤهلها إلى دلك المستوي.

أم النقطة الثاني فهي الأسواق اليومية والاسبوعية التي كانت تشكل إحدى أهم نقاط الإرتكاز وتجمع مختلف شرائح المجتمع هدا دون الإشارة إلي دورها الثقافي وبعدها الإجتماعي في المجتمع الريفي،وخير دليل هو محو سوق «  ميرادور «، وإقامة بديل له كمركب تجاري وسوق ” السبت بإمزورن “،فما هو الشيئ الغير الطبيعي الدي تغيير بمجرد ما ستهدفتها الدولة، إلا يعتبر فشلها في مسؤوليتها بالدرجة الأولي ؟ أليس دلك السوق الأسبوعي الدي كان يجمع تجار الريف كلهم في يوم واحد يا إما الاحد أو الثلاثاء كان ينعش النشاط التجاري والبشري أليس إصرار الدولة وراء تصفيتها بشكل نهائي ؟

فقد ضل العديد من الريفيين، من الدين كانون يغنون خارج السرب، يعتقدون أن التقسييم الجهوي الجديد سيكون الفيصل في إعتماد مقاربة أصح في معالجة الإشكالية التي تواجهها المنطقة،وستكون المرحلة بمثابة فترة انتقالية وتحسين أحوالها من حسن إلى الأحسن، لكن بمجرد ما أن أدرك المخزن الطريق الدي خطاه خرج بضربة إستباقية بإعلان الحسيمة منارة للمتوسط ،ودلك ببرمجة العديد من المشاريع والإعلان عنها بشكل رسمي، غير أن حقيقة تلك الأنصاف من المشاريع، ودلك البرنامج سبق وأن أعلنته إدبان كارثة زلازال 2004 في إطار إعادة إعمار الحسيمة،و جلها موجودة على أرض الواقع، فما هو الجديد، و لماذا اقدم المخزن على هذه الخطوة ؟

ببساطة قام بإخلال العديد من مراكز الجهوية من مواظفيها بعد تحويل ولاية الحسيمة إلى عمالة ضمن عمالات طنجة، وتحقيق هجرة عكسية لمئات من العائلات والسكان صوب مدن كبري،و أضحت الحسيمة خالية من الرواج التجاري والنشاط البشري،بمعنى أخر أن المخزن قام بضرب الإقتصاد اللاصق للحسيمة واستهدافه بنية قتله لطرد سكانها بطريقة سلاسة، فلو كانت لديه نوايا حسنة وإرادة حقيقة في الإيفاء بوعوده، لكان وفر بدائل وهو يري أنه يمضي بالريف إلى الهاوية .

وما نستنتجه من خلال ما يقدمه الواقع من صورة واقعية وملموسة، فإن تدمير إقليم الحسيمة هو تكتيك للدولة و نتاج تراكمات مختلفة، من بينها ما تم الإشارة إليه، وما خفي كان أعظم، وفي خصم ما يعيشه الريفيين حاليا فإن العملية عملية تكرار، وأن التاريخ غالبا ما يعيد نفسه، لكن بأساليب أخري أكثر مكرا و دكاءا .

ريف بريس : محمد الهلالي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.