تحلية مياه البحر بالريف بين المبررات الواهية والمخاطر الحقيقية

شهد العالم منذ بداية القرن العشرين تطورا اقتصاديا خطيرا (الفلاحة، الصناعة والخدمات)، وبالموازاة مع هذا التطور عرف العالم زيادة سكانية مهولة فرضت على الإنسان مضاعفة استغلال الثروات البيئية لمواكبة هذه الزيادة السكانية استغلالا بشعا بمنطق رأسمالي ليبرالي يجري وراء الربح بعيدا عن التفكير في مستقبل الإنسان.

 فاستنزفت بذلك ثروات فوق الأرض وتحت الأرض، على الساحل وفي أعماق البحار، دون أن تستفيد من ذلك الإنسانية التي تستعمل كمبرر لهذا الإستغلال الشرس، خاصة وأن % 20 فقط من سكان العالم هم من يستغلون %80 من ثرواته، و%80 من سكانه في وحل الفقر يتصارعون على %20 من ثرواته. ولعل الماء هو موضوع صراع مستقبلي وشيك، في ظل تراجع هذه الثروة أمام الإستعمال المكثف وغير المعقلن، أو تمركزها في مناطق دون غيرها نتيجة الإضطرابات المناخية التي يشهدها العالم منذ أمد بعيد، وهو ما دفع بالإنسان إلى التفكير في مصادر أخرى تجنبه مخاطر شح المياه والدخول في حرب العطشان، وتتجلى أحدث هذه المصادر في تحلية مياه البحر، بإنشاء مناطق ومحطات لهذا الغرض، بدعوى حاجة الإنسان إلى مياه الشرب، وهو مبرر عار عن الصحة إذ أن العديد من الدراسات العلمية تؤكد وجود ما يكفي من المياه على الأرض وتحت الأرض، لكن المشكل يتجلى في استعمالها في خدمة الصناعة والفلاحة الاقتصادية التي تدر الأرباح على تكتلات اقتصادية محدودة، في مقابل ذلك يتم تدمير البيئة وإجهاض مستقبل الإنسان. 

خاصة وأن إنشاء محطات لتحلية مياه البحر له عدة مخاطر على البيئة في اليابسة القريبة من البحر، وتشتد هذه الخطورة على الكائنات البحرية على مدى كيلومترات من المحطة، إذ أن هذه الكائنات ستتعرض لتدمير حقيقي وكبير، مما سيقضي نهائيا على مصدر رزق العديد من البحارة في المناطق القريبة من مثل هذه ” المشاريع”، وسيخلق اضطرابات بيئية يمكن إجمالها في أن اللحظة التي يتم فيها إنشاء هذه المحطات يتعكر ماء البحر بشكل مهول وخطير يدمر الكائنات البحرية، وبعد سحب المياه إلى المحطات يتم معه سحب ما تبقى من هذه الكائنات ليتم القضاء عليها بشكل نهائي.

لكن المشكلة الرئيسية الناجمة عن محطات تحلية المياه هي إعادة المياه الناتجة من عمليات التحلية، والتي تتميز بملوحة وحرارة عاليتين. فهي تؤثر على المجتمعات البحرية الحساسة، مثل الشعاب المرجانية والحشائش البحرية. ليتعمق الخطر أكثر في التأثيرات الناتجة عن ارتفاع الملوحة في مياه صرف المحطة، كما تحتوي هذه المياه أيضاً على مواد كيميائية مختلفة ناتجة من عمليات المعالجة. بالإضافة إلى ما سبق هناك فرصة لأن تحوي المياه الراجعة معادن ثقيلة نتيجة عمليات التآكل في الأجزاء المعدنية لمحطة التحلية، وتتميز هذه المعادن بآثارها السامة حيث تتراكم في أجسام الحيوانات البحرية ومن الممكن أن تصل للإنسان من خلال السلسلة الغذائية. وفي الأخير تستعمل الأحماض الكيميائية عادة لغسل الغلايات وأنابيب التكثيف ولإزالة الرواسب التي تتكون نتيجة عملية التقطير، وهذه الأحماض يجري تصريفها إلى البحر.

إنها خلاصة لمخاطر كبيرة تتربص بالثروات الإنسانية، ويكبر معنا الخوف إذا تعلق الأمر بمنطقة الحسيمة والناظور و بمنطقة أكلو التي بدأ فيها النقاش حول دراسات لإنجاز محطة من هذا النوع لتحلية كميات كبير من مياه البحر ونقلها عبر قنوات لتستفيد منها جهات أخرى دون التفكير في أفواج من البحارة سيؤدون ثمن مثل هذه ” المشاريع”. بل إن المنطقة لن تصبح بعد ذلك لا مصدر جدب سياحي ولا منطقة اصطياف. وفي انتظار قراءة هذه الشكاية، تقبلوا سيدي البحر فائق عبارات التقدير والإحترام.

ريف بريس : حسن الظعيف

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.