“التعري قطعة قطعة” عمل جريء يعالج موضوع الحرية في قالب مسرحي

“التعري قطعة قطعة”، عنوان مثير لكنه عميق و بدلالات كبيرة، هكذا اختار الكاتب البولندي سلافومير مورجيك تسمية مُؤلّفه الذي اختاره الفنان لعزيز إبراهيمي ليقتبس منه العمل المسرحي الجديد لفرقة الريف للمسرح الأمازيغي فاتحا المجال بذلك للانفتاح على ثقافات أخرى لها خصوصياتها لكنها تلتقي مع الثقافة المغربية و الأمازيغية في العديد من النقاط.

و بعد عرضه بكل من مدينتي الحاجب و الناظور، كان جمهور مدينة الحسيمة على موعد مع العمل الجديد للفرقة الذي نال ثقة و دعم وزارة الثقافة، وذلك في إطار أمسيات الحسيمة الرمضانية التي تنظمها مندوبية وزارة الثقافة وبرنامج قافلة الفرجة و المسرح المدعم من طرف برنامج التنمية البشرية بالحسيمة ووكالة تنمية أقاليم الشمال، و ذلك مساء الثلاثاء 28 يونيو بدار الثقافة مولاي الحسن بالحسيمة.

العمل المسرحي الجديد لفرقة الريف للمسرح الأمازيغي كان من ترجمة لعزيز الإبراهيمي و إخراج المبدع يوسف العرقوبي بمساعدة المتألقة رجاء خرماز، كما تكلف عمر المساوي بتنفيذ الإضاءة، كريم مشدود بالمؤثرات صوتية، عبد العزيز البقالي بالمحافظة العامة، فيما تكلف نبيل قوبع بالإعلام و نبيل بلحاج بالتواصل و ميلود عيادي بالتوثيق، كما شخّص أدوار المسرحية كل من الفنانين المتألقين محمد بنسعيد، طارق الصالحي و حيدوش بوتزوكنت.

و تقوم أحداث المسرحية – أساسا- على شخصيتين بسيطتين، كانتا كل منهما على حدة – مشغولتين (بالتفكير) على نحو ما، بأمور حياتهما، و طموحاتهم الجادة، إلا أن قوة مجهولة اعتراضية، التقطتهما عنوة ذات زمان من مكان ما ثم زجت بهما غصبا و اقتدارا، و عنف – إلى موضع كالسجن، أو المعتقل، لا يدريان عنه شيئا، و في كل وقت يحاولان ممارسة حقهما في الاحتجاج، خلال حوار يتراوح بين الجبن و الجرأة، و التلميح أو التصريح، تطل عليهما قوة غامضة غير مسماة، تتنصت عليهما بصفة مستمرة، و تحصي عليهما أنفاسهما و تحركاتهما، و هذه القوة المجهولة – قد تكون المخابرات السرية – ترفض دائما محاولاتهما التفكير فيما حدث لهما، كما تحرص على مصادرة رغبتهما في تخطي دائرة الاستسلام – المحاصرين داخلها – إلى دائرة الاستفسار و التساؤل، عن طبيعة المأزق الذي اصطادهما و كيفية الخروج منه.

و الشخصيتان – كما تتطلب الصنعة الدرامية – تتشابهان في أشياء، و تختلفان في أشياء أخرى، و تتفقان في رأي تختلفان في آخر، و هذا من أجل تنشيط الفعل و تطويره، و إبراز الملامح الشخصية لكل منهما.

إن تلك القوة المتساهلة التي تتردد عليهما عند شروعهما في التمرد، لا تفرق عند توقيع العقوبة، بين الشخصية السلبية و الأخرى الإيجابية، فعند الإحساس بـ ‘نية’ الرفض تقوم بالإطلال عليهما، و تجريدهما – في كل مرة – من قطعة مما يرتديانه من ملابس، و في نفس الوقت، مما يؤمنان به، و يفكران فيه، و لما كان عدد القطع المكبسية التي على جسميهما محدودا، فكان و لا بد و أن يتحدد عدد مرات التمرد، و إلا كان استمرار التمرد، يعني استمرار التجريد حتى التعري تماما. و هنا يقع التوقع المخيف : ما الذي يمكن أن يحدث بعد أن يتعريا من كل ما يستر البدن، و الفكر الشخصي ؟؟ لابد و أن يكون العقاب من نوع آخر و أشد بطشا و أكثر تعذيبا. و لهذا يتفقان – في النهاية – على الرضوخ الشخصي، و الاذعان لتلك القوة الغامضة، و التخلي عن كل ما يشغل بالهما من إيجابيات و مبادئ، بل و يجب أن يصاحب الرضوخ، الاعتذار عن شيء لم يرتكباه، و تقبيل الأيدي و الأقدام و الزحف عليهما، و عندئذ، يقع (الرضا السامي) من القوة العليا، و تقوم بوضع ما يشبه العصابة على عيونهما، و تركهما يتخبطان في مسيرهما، إلى قوة أخرى تطل – لأول مرة – من الباب الثاني كقدر مجهول.

إن موقف هذين البريئين المقهورين، يقدم إلى القارئ – أينما كان – لحظة مكثفة للمأزق الصعب الذي يمكن أن يتعرض له تفكير الفرد الحر. إن القوة المجهولة التي تقوم بالتحدي و العقاب، و لا يظهر صاحبها – ترمز إلى القوة الجبرية الخفية التي لا منطق لها .. و لا رأس.

عن لجنة الإعلام

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.