ملحمة “أنوال “..مدرسة لصناعة البطولات ليست مستحاثة تاريخية للبيع والشراء

يخلد اليوم الريف الأحمر بدماء المقاومين الثوريين الأبطال ، كما يخلد كل التحرريين والثوار والمناضلين والمناضلات ، واحدة من أهم المعارك السياسية والعسكرية في تاريخ المقاومة المسلحة للإستعمار في العالم .

21 يوليوز 1921 حين سيلتقي جيش المقاومة الريفية بالمستعمر الإسباني الذي بسط نفوذه معية شريكه الفرنسي على معظم بلاد المغر بإستثناء الريف الذي إستعصى وإستقوى بالإتحاد الثوري المسلح لقبائله وزعمائها تحت قيادة الأمير محمد بن ع الكريم الخطابي الذي سيجعل أحد هضاب قبيلة أجدير مركزا لقيادته وهو مكان يملك رؤية واضحة على الساحل ومحاط شرقا بسهل بني ورياغل أحد أهم المناطق حصانة عسكرية وعلى بعد كليمترات تقابلها غربا مدينة الخزامى او الحسيمة كما تسمى الآن .

لقد توالت المعارك وقدمت المقاومة تضحيات جسيمة من الدم والشهداء لكنها رسمت آيات من البطولة والحنكة العسكرية وأشكال المقاومة جعلت العالم كله يلتفت إلى هذه البقعة من الصمود أكثر فأكثر .

مما دفع بالجيش الاسباني لإعداد العدة لمعركة حاسمة يقضي فيها نهائيا على هذه الصرخة مستعينا بكل أشكال الدعم المادي المعنوي اللوجيستي المخابراتي وموفور عدة بلغت آنذك 25 ألف و 700 جندي ببنادقهم وقنابلهم اليدوية والقاذفات الأرضية والطيران…فيما كان تعداد المقاتلين في جيش المقاومة لا يتعدى 3200 مقاتل بأبسط المعدات وبنقص كبير في الدعم والمؤونة .

“أنوال” منطقة محاطة بالتلال الوعرة والمنحدرات وسط قبيلة “تامسسأمان” الجبلية أحد أكبر وأكثر القبائل التي فضلت المقاومة إستدراج أعدائها إليها لوعورة جغرافياها ولصلابة مقاتليها .

وفي الساعات الأولى للإشتباك وفيما كان ينتظر المستعمر تباشير نصره الساحق لقنت المقاومة الريفية درسا قاسيا وصادما للمستعمر وللمراقبين في العالم فقد تم إحاطة مجموعات هائلة من الإسبان بكمائن مائية تغرق معداتهم وأرجلهم في الأوحال وإطلاق سلسلة سخرية تقطع طريق الدعم على العدو وتقسم جيشه إلى نصفين وتستولي على أهم المعدات خاصة القاذفات الارضية (طنوك) وتطيح بالجنرال الاسباني selvestri قائد حملة الاسبان مقتولا وهو الاسم الذي كانوا يعقدون عليه رهانهم…وكان آخر تلغراف يبعثه المشرف على التلغراف في الجيش الإسباني صادما ومخيفا …

“””الريفيون حطموا الجيش الإسباني نهائيا”””

ولأننا لا نريد لمقالتنا الغوص في التفاصيل التي تزخر بها الأبحاث التاريخية والاكاديمية يمكننا القول وبإختصار أن معركة أنوال وبكل المقاييس هي “ملحمة” وعليه فهي أبعد ما يكون عن أي تناول رومانسي مناسباتي سخيف ومبتذل في معظم الأحيان خصوصا في ظروف إستمرار سلطة الوكيل الداخلي للإستعمار إلى حدود اللحظة مما يفترض وبمسؤولية وصرامة الإستفاقة من الخمول البرجوازي الأكاديمي ومن السكرة المخزية إلى حدود الإعتقاد بنهاية المعركة تحت طائل وابل من التبريرات الخيانية الدخيلة على فكر وممارسة الثورة الريفية العظيمة وأبنائها المخلصين الثوريين جيلا بعد جيل عبر العالم لها ولصرختها الثورية الأممية العصية عن أي حجب أو تجاهل .

إن ما يعطي التجربة الريفية قيمة سياسية وتاريخية ليس إتحادها وتميزها العسكري المسلح وحسب إنما وقوف هذا الإتحاد على أرضية فكرية ومعرفية ثورية .

تشكل لنا اليوم الأساس الذي يمكننا من خلاله النفاذ لإستخلاص الدرس الفكري والحركي لمعارك اليوم التي ما هي إلا سيرورة معقدة لمعارك الامس وعليه فهي مدخل الإنطلاق الصحيح والعلمي نحو المستقبل .

إنها مدرسة للتعلم والوفاء والعطاء والتضحية والصمود المستمر ضد جيش الإستعمار الراهن الذي صبغ نفسه بأرخص مكياج على الإطلاق ممنيا نفسه بالظهور مظهر دولة المؤسسات والقانون والدستور لا وبل تغنيه بالريف وبأمجاده إلى حدود صناعة أبواق وخطوط ومنابر مختصة في تفريغ تاريخ الريف وثورته من كل بعد تقدمي ثوري وحشو ودعم وتوسيع البعد الرجعي فيها الشوفيني اليميني واليساري والقومي اللبرالي والحزبي الخاضع الخائن .

وسط كل هذا وغيره من المعطيات المتراكمة وغزارتها وتداخلها احيانا وتضاربها أحيانا أخرى…يمكننا القول أن تلاميذ هذه المدرسة والأوفياء لها ولمجمل التجارب والخبرات المتراكمة للشعب المغربي وباقي شعوب العالم هم وحدهم من يملكون الرصيد الكفيل بالإجابة والإنخراط المسؤول والضروري ضد كل الأشكال التحريفية الفكرية السياسية الحركية والتنظيمية لخط المقاومة والثورة ضد المستعمر الداخلي والخارجي وعملائه من المدسوسين والخونة والمخدوعين بهذا المكياج الرخيص .

إننا نؤكد على هذه المسألة ونحن اليوم أمام فولكلور عاطفي رومانسي أكاديمي يشكله سرب منهوك من الأصوات والباحثين (الريفيين جدا والعقلاء جدا) ونخب من مثقفي البلاط وباحثين وأحزاب وجمعيات يشكلون معا سمفونية سخيفة من الرثاء والتحسر والتباكي على مجد سحيق ((ضائع)) يتنافسون في البحث فيه عن معلومات أقل ما يقال عنها أنها تعويمية وتمويهية لا تزيد ولا تنقص من الوقائع ولا تنفذ لإساخلاص أية عبرة ولا إلى أدراك أي معنى ولا إلى الارتباط بسيرورتها ولو بنصف حركة غير تهييج المشاعر وصناعة ثقافة زائفة منغلقة ومحدودة أشبه ما تكون من الإنسجام والذوبان مع الخطاب الديني التقديسي الرافض لأي نقاش والمهزوم عند أول هزة إجتماعية ….وغيره وغيره .

معارك الثوار وبطولاتهم ليست مستحاثة تاريخية للبيع والشراء وعقد الخطب، إنها مدرسة جميع سطورها مكتوبة بالدم إنها سطور دموية لا عاطفية ولا رومانسية إنها مشاعل مستمرة الى حدود اليوم وليست مشاعر مدفونة في القلب دون أن تغرس في الارض .

معركة “أنوال” بالريف الأحمر

شمس الثوار في العالم، ودرس قاسي مخيف لخونة الأمس واليوم والغد..صداها مستمر ودمائها لم ولن تجف

El Bouzouiki

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.