لماذا قتل المهدي بنبركة زعيم الريف عباس المساعدي ؟

عباس المساعدي الذي قتل في 27 يونيو 1956 ، هو أحد أبرز مؤسسي جيش التحرير المغربي وقياداته وأحد أبرز وجوه الريف بعد محمد بن عبد الكريم الخطابي، لم يعش طويلا لكنه خط مساره وتاريخه بحروف أبدية، فبين تاريخ ولادته 1925 ووفاته 1956 حكايات طويلة تعجز مؤلفات عن الإحاطة بها، يزيدها العشرين يوما قبل مقتله والتي ذاق فيها كل أنواع التعذيب غموضا كثيرا. كبرت رمزيته بعد عودته من مصر ولقائه هناك بالزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، وكان مشهورا بعدائه للأحزاب المغربية معتبرا إياها بيادق فقط وتدار من طرق خونة ومرتزقين لا هم لهم سوى مصالحهم الشخصية وليس مصلحة الريف أو الوطن.

كان من أبرز المعارضين لتفكيك جيش التحرير وإدماج عناصره في حزب الاستقلال بعد الاتفاقيات التي وقعتها مجموعة من قيادات الأحزاب المغربية والعرش وفرنسا، حيث كان يرى كمجموعة من المناضلين الآخرين أن الوقت لم يحن بعد لفك جيش التحرير وأن التخلي عليه سيقود المغرب إلى انتكاسات لن تصب في مصلحة الشعب.  لكن في المقابل، فإن مختلف القيادات التي كانت تلعب دورا سياسيا كانت تتخوف من نفوذ جيش التحرير، ومن أول المدافعين عن تفكيك جيش التحرير كان السياسي المغتال أيضا المهدي بنبركة.

فمن قتل عباس المساعدي يا ترى؟ المهدي بنبركة كما يصرح بذلك الملك الحسن الثاني في مذكراته، أم بنبركة والفقيه البصري والزعيم بنسعيد آيت يدر كما يصرح خليل عباس المساعدي وعائلته؟ أم بنسعيد آيت يدر كما يقول المحجوبي أحرضان؟ أم المخزن كما يصرح الزعيم بنسعيد آيت يدر؟

لما تم اختطاف عباس المساعدي، قال الحسن الثاني لزوجة عباس : لن أنزع قميصي من فوق ظهري إلا إذا عثرت على أخي عباس، لكنه بعد شيوع خبر مقتله بأيام جاء إليها مرة ثانية يأمرها بأن تتزوج بعريس أحضره لها وإلا ستعتبر عاصية له.

لقد قامت فيالق جيش التحرير بالبحث عنه بعدما تم اختطافه لكن دون جدوى، ليأتي بعدها خبر مقتله برصاصة، قيل أنها رصاصة طائشة، لكن معظم المتتبعين يقولون أنها كانت رصاصة أطلقت لترديه صريعا.

في التحقيق، سيتم الاعتراف من طرف الثلاثة الذين قتلوا عباس المساعدي كما جاء في محاضر التحقيق، وقد أجرى التحقيق شخصيا الملك الحسن الثاني، أنهم قتلوه بأوامر من بنبركة وبنسعيد ايت يدر والفقيه البصري. لكن الغريب أن قتلة عباس المساعدي لم يتم سجنهم. البعض يقول أنه دليل على تورط المخزن في الجريمة وأنه أراد تلفيق القضية فقط لبنبركة وحزب الاستقلال، لكن بالمقابل، هنالك من يقول أن حزب الاستقلال كان قويا جدا وكان يمارس ضغطا كبيرا على المخزن.

يقول نجل عباس المساعدي في أحد حواراته: “هؤلاء الثلاثة، وأقصد المهدي بنبركة والفقيه البصري وبنسعيد آيت يدر، كانوا يريدون إقناع أصدقائهم مثل إبراهيم الروداني بضرورة إجبار والدي على التخلي عن جيش التحرير وإلحاقه بحزب الاستقلال، لأن عباس لمساعدي كان يعتبر إبراهيم الروداني بمثابة والده. بيد أن الروداني صارح هذا الثلاثي بالحقيقة التالية: «يصعب علي جدا أن أقوم بمثل هذه المهمة». لقد كان الروداني يعرف بأنه لو جيء بوالدي «غايغبروه» مدة طويلة. لقد أصيب الروداني بالصدمة عندما بلغه خبر مقتل والدي، وأنتم تعرفون جيدا بأن الروداني كان هو المحرك الحقيقي لمدينة الدار البيضاء، وكل من كان يمتلك السلاح بالمدينة كان يشتغل تحت إمرته. لقد ذهل الروداني واعتكف بمنزله ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع طُرق باب منزله وعندما فتحه قتل. لقد كانت عمليات الاغتيال وقتها منتشرة في كل مكان، وكان كل شيء مباحا في الصراع على السلطة ” وعن مقتل المقاوم الروداني واصل نجل عباس المساعدي قائلا: ” أسر لي أحد المقاومين بأن المهدي بنبركة أمره قرب دار عبد الكريم الخطيب بقتل إبراهيم الروداني، فأجابه قائلا: «لن أستطيع قتل رجل في مكانة والدي». وأتذكر أن أحمد الرمضاني بعث رسالة من وجدة إلى القصر الملكي يتهم فيها بنبركة والفقيه البصري وبنسعيد آيت يدر باغتيال والدي “.

إن الخصومة بين عباس المساعدي وحزب الاستقلال كانت قد تطورت إلى عداء كبير، ولكن الخصومة مع بنبركة أيضا كانت قد تجاوزت العداء المتبادل بكثير ، وتقول في هذا الباب غيثة علوش زوجة عباس المساعدي ” بعد الاستقلال بمدة قصيرة، جاء علال الفاسي ومعه المهدي بنبركة إلى الريف، وهناك صورة يعانق فيها علال الفاسي السي عباس بحرارة. خلال تلك الزيارة، صعد بنبركة فوق المنصة وشرع يخطب في الناس بعربية فصيحة، وهم لا يفهمونه، قائلا: «جيش التحرير من حزب الاستقلال وإليه»، وقد أثار هذا الأمر حفيظة السي عباس و”طلعت لو الصحراوية للراس”، فصعد إلى المنصة.. لأن حزب الاستقلال كان ضد الكفاح المسلح، وعندما حصل المغرب على استقلاله بفضل من استشهدوا دفاعا عن الوطن، جاءت قيادة هذا الحزب وأرادت أن تركب على ما حققه جيش التحرير وتنسب إلى نفسها نصرا لا علاقة لها به … وتواصل حوارها ” صفعه أمام الحاضرين ودفعه حتى أنزله من المنصة.. فالسي عباس، رحمه الله، لم يكن يعرف سبيلا إلى حيل ومراوغات السياسيين ولم يكن يطيقها، فقد كان رجل مقاومة ومعارك ميدانية. وبعدما أنزل بنبركة من المنصة، أمسك السي عباس الميكروفون وقال: «جيش التحرير حر، والناس ديالو أحرار، وما عندهوم انتماء لحتى شي حزب». وأمام ذلك، ركب المهدي بنبركة وعلال الفاسي ومن معهما السيارة وأقفلوا عائدين من حيث جاؤوا…. وعندما انطلق بنبركة وعلال الفاسي بالسيارة، اقترح عبد الله الصنهاجي على السي عباس أن يلحقا بهما ليقتلاهما فرفض السي عباس الفكرة من أساسها. وعندما تناهى هذا الأمر إلى علم محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي كان حينها في منفاه بمصر، علق قائلا: «ملي المساعدي ما قتلشي بنبركة فإن هذا الأخير سيقتله»، وقد كان على صواب، لأن الصراع احتد بين رأسين، فكان على أحدهما أن يصفي الآخر.”

وفي نفس الحوار الذي أجرته مع أحد الصحفيين قالت عما أخبرها عباس المساعدي به عن بنبركة قائلة : حكى لي تفاصيل ما حدث، وقال إن بنبركة رجل شرير وسارق هو وعلال الفاسي وغيرهم من قادة الاستقلال، يستولون على أموال الأرامل وبيوت من ماتوا في المقاومة، بدعوى أنهم يفعلون ذلك دعما للحزب، ولذلك فهؤلاء (قادة حزب الاستقلال) حين ماتوا تركوا خلفهم الأملاك والأموال، أما السي عباس، فكما قالت عنه والدتي -بعد استشهاده- لمحمد الخامس عندما استقبلنا في القصر: «سيد العباس ملي مات ما خلاش حتى الملحة فالطنجية»، فأجابها محمد الخامس «كنعرف هاذ الشي، كنعرفو». وفعلا، فبعد اختطاف السي عباس، جاء رجال المخزن يبحثون في البيت الذي كنا فيه بالناظور عما إذا كان هناك سلاح أو مال أو شيء ذي قيمة فلم يجدوا حتى الملح.

سناء ملوكي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.