فن وثقافة

“عدوى” الفيلم الذي تنبأ بالكورونا قبل تسع سنوات..

عالم منشغل بڤيروس كورونا الذي تم تصنيفه بأنه وباء عالمي، و من كانوا بالأمس القريب يستصغرون أذاه، صمتوا في الأيام الأخيرة. لقد قطعت أرقام الوفيات شكهم غير المبرر، بيقين مفاده بأن الأسى لا يمكنه إلا أن يبعث على الأسى. ستيفان سودربورغ، كان من ضمن المخرجين الذين رسم خيالهم انتشارا سريعا للفيروس في فيلم ” Contagion ” (عدوى) قبل نحو تسع سنوات.
 
هذا الفيلم، منحت أدوراه الأولى لنجوم عالميين مثل Marion Cotillard و Matt Damon و Laurence Fishburne و Kate Winslet و Jude Law أو Gwyneth Paltrow. حاليا و بالنظر للهوس الذي خلقه فيروس كورونا اللعين، فقد دخل هذا الشريط قائمة الأفلام الخمسة عشر الأوائل، الأكثر مشاهدة على “الٱي تيونز” في الولايات المتحدة. في ظرف وجيز، عبر من المركز المائتين و السبعين إلى المركز الثاني لأكثر الافلام مشاهدة في الٱونة الأخيرة ل Warner Bros.
 
قد تتساءلون عن التميز الذي حمله شريط سبق و قال عنه مخرجه قبل سنوات، بأنه يحمل تحذيرات لما قد يمكن أن نعيشه؟ هذا الشريط المختلف عن أعمال كثيرة تتطرق للكوارث و المٱسي، فيه جانب توثيقي مهم، و” لورنس فيشبورن ” الذي يلعب دور الطبيب “إليس شييڤر” يُذكر بأن وباء الزكام الإسباني، أودى في القرن الماضي بحياة واحد في المائة من سكان الأرض. 
 
ينبه إلى أن ظهور وباء مماثل في الزمن الحاضر، قد ينهي مقام عشرات الملايين من الٱدمين في كل البقاع. يقنعك سودربورغ بأن تقتحم عن طيب خاطر عالم الپارانويا، و ينطلق الشريط الذي يكشف إلى أي حد يمكن لمخرج أن يجمع نجوما كثر، و يجعلك تحس بأنهم في أول و ٱخر المطاف مجرد أناس عاديين قد يعصف بهم فيروس قاتل. سودربرغ يتفادى عن قصد الموسيقى التي تدغدغ العواطف، أو المؤثرات البصرية التي قد تفقد الموضوع هيبته، و تسقطه في كليشيهات حضرت في أفلام مماثلة. كاميرا تقترب طيلة ساعة و ست و أربعين دقيقة من ملامح أبطاله، و لجوء للقطات علوية ترصد جثثا متناثرة. ينطلق ليبين الهشاشة التي تكون عليها المستشفيات، و الطرق المرتبكة للوقاية حين يضرب الفيروس بعنف، و يشرع في الانتشار. حالة استنفار تعيشها كمشاهد، لتأتي أنسنة الحالة، و تموت “بيت إيمهوف” (غوينيت پالترو) زوجة ميتش إيمهوف (مات دايمون) بعد عودتها من هونغ كونغ، و تتناسل الأخبار على القنوات. قليل من معلومات صحيحة تنقل، و إشاعات كثيرة يروج لها في وقت التيه، و استغلال من فئة جشعة للوضع و الاسترزاق منه.
 
و أنت تشاهد Contagion، تكره المطارات بعد ان تراها فارغة من الخلق بسبب حالة الذعر من الفيروس المنتشر، و تتذكر بأن وسائل النقل العمومي قد تشكل مرتعا للفيروس، و بأن من يصافحك قد يضرك بتحيته التي بإمكانك أن تتفاداها بكل وقاحة قد تنفع. هو فيلم سينمائي نعم، لكنه يؤثر على نفسية المشاهد. من سيتابع فصوله، ستتولد لديه رغبة بأن يبقى قابعا في بيته بعيدا عن بقية الخلق، لأن كل وباء يترك ضحايا، و الضحية ليس دائما هو الٱخر. قد تكون أنت الضحية، و قد أكون أنا الضحية، و قد نحتاط جميعا، لنلتقي في ٱخر المطاف بواحد من أقاربنا من المصابين و نصير جميعا ضحايا. هوس يخلق الهوس، و حين يتحول الإنسان من وضع المتابع لمشروع جثة فتك بها الفيروس، يتم في أحسن الأحوال تداول اسمه في نشرات الأخبار. سامحني الله لأني تطرقت الموضوع هذا اليوم، لكن وددت حقا أن أنبه إلى أن مخرجين سينمائيين كبار، تطرقوا للموضوع انطلاقا من معطيات علمية مثل ستيفن سودربورغ في Contagion. النتيجة أنك حين تشاهد الشريط، ستحس بأن فيروس كورونا قريب منا جميعا، و علينا أن ننتبه.
 
قد يبتسم أحدكم و هو يتابع سطور هذا الجزء الأخير من الركن، و أنصحه بأن يحذر. كثيرون ابتسموا و استهزؤوا، و هم الٱن يولولون و يندبون حظهم بعد أن فرض عليهم الحجر الصحي في كثير من بقاع العالم. في الفيلم، تنبيه إلى أن اليوم الاول قد يشهد إصابة شخصين، ثم يرتفع العدد لأربعة أشخاص ثم ينتقل لستة عشر مصابا. بعد ثلاثة أشهر، قد يرتفع العدد لمليار شخص موزعين عبر أنحاء المعمور، و حين تسمع الأرقام تود أن تحيي أهلك من بعيد، و أن لا تلتقي بزملائك في المكتب، و بأن لا تشاهد مباريات الكرة في المقاهي، ثم تلعن الشيطان و تكمل المشاهدة. شاهدت الفيلم الذي كلف إنتاجه ستة و ستين مليون دولار، و غادرت في صمت. تذكرت بأني لن أستخف مستقبلا بمواضيع كبيرة تفوق فهمي، و بأن ألتزم مثل كل كائن لا حول له و لا قوة بجميع نصائح أهل الاختصاص.. طبعا، إن منحني فيروس كورونا فرصة البقاء بينكم و معكم. سأفضي بارتياحي مستقبلا حين تتم محاصرة الڤيروس، أما في الوقت الراهن فأنا مقتنع برسالة سودربورغ، و متوجس قليلا من الأخبار التي تتفنن وسائل الإعلام في إرباكنا بها على رأس كل ساعة و السلام.
 
 

إعلامي وناقد سنيمائي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock