مجتمع

مجاهدي “المَوْقَفْ” ودافعي صخرة سيزيف عن حسيمة الأمس…

بعد فجر كل صباح باكر، ينهض رجال لفحت الشمس وجوههم الصلبة، كي يستعدوا للحرب مرتدين معاطفهم الرثة، وأحذيتهم القديمة.. مسلحين بقبعاتهم الباهتة ألوانها وآمال مرجوة بالنصر.
ينطلق هؤلاء الرجال مجموعات وأفرادا نحو مركز مدينة الحسيمة بشارع الحسن الثاني، ويتجمعون على طول الرصيف المحاذي ل “سبيطار ن قدور” (المركز الصحي الحضري عبد الله حمو) المكان الذي يعرف لدى الساكنة ب “رموقف” أو “الموقف” ويشرعون في التأمل والإنتظار في صمت طيلة فترة الصباح، لعل أحد المستخدمين يكسر عنهم صمتهم هذا، ويقتادهم إلى أي عمل اليوم، والذي عادة ما يكون شاقا لقاء 50 درهما فقط!
عمال “الموقف” لا يختلفون عن عاهرات المدن الكبرى اللائي ينتظمن على أرصفة الضواحي، سوى في حجم التعب المضاعف، حيث لا معارف أو وسائط لديهم، ويبيعون مجهودهم العضلي بثمن قليل، ويحب المستخدمون أيضا تأمل أجسادهم الممتلئة بالمثل. الشيء الذي يشكل لعنة دائمة على العمال، الهزيلة أجسادهم، والذين لا يمتلكون أي موهبة حرفية أخرى غير “الكدح” فهو قانون “الموقف” الأسمى.

أحاديثهم تعلو حينما تبدأ الظهيرة في الإقتراب، وتتصلب أقفيتهم من لعب “الداما” على الرصيف، ويتعبون من الإنتظار، ومسح الشارع بعيونهم، ويتسلل اليأس إليهم، محاولين خلق آمال شحيحة بالحديث يمنعهم من العودة إلى منازلهم خاليي الوفاض.

مجاهدوا “المَوْقَفْ يتحدون الركود الإقتصادي، وندرة الأعمال، والغلاء المعيشي للمدينة، ويقبلون بأي عمل سيمكنهم من الفوز بتلك الدراهم المعدودة. فكثير منهم يحمل على عاتقه أسرا وعائلات، وأطفالا لا يمتعون بأي طفولة، وغير مسجلين في أي تغطية صحية، ولا في أي ضمان إجتماعي، وربما غير مسجلين حتى في المدارس، مثل آبائهم “الأميين” الذين لا يمتلكون تقاعدا ولا عملا قارا، ومع ذلك يستمرون في الجهاد وتحدي اليوم!
تغير “الموقف” كثيرا اليوم، ولم يعد يمتلك ذلك الزخم الذي كان يحظى به، كما توقفت ساكنة مدينة الحسيمة من البناء والإصلاح، إلا من لوبيات العقار الزاحف على جبالها، والذين يحاولون خلق مدينة إسمنتية مخيفة. وبعض فقراء وديان ك “سيدي منصور” و “ميراذور” الذين يتزاحمون عشوائيا في سكن غير لائق أو مرخص، ويضعون بأنفسهم طوبهم على بعضه، كي يهربوا من لهيب الكراء. فلم يعد يلمح من عمال الموقف إلا الثلة القليلة التي أصبحت ما تزال عاقدة العزم ومتشبثة بالأمل بالرغم من كل شيء، الذين أصبحوا يشاركون الموقف، مع “الشمكارة” والمدمنين بأنواعهم، والذين تطفلوا على هذا الميدان في السنوات القليلة الماضية…

 

– ريف بريس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *