ريفوبليك

الجزء الأول : 1945 “عام الجوع” أو ” عام البون ” بعيون وثيقة للدعاية الإسبانية

مجاعاتٌ عديدة تلك التي عصفت بالمغرب على امتداد تاريخه، بعضها، مما دُوّنَت تفاصيله، يحكي مشاهدَ مروعة، يعود فيها المغربيّ إنسانا بدائيا حيث يمكن أن يأكل ما لا يخطر على بال ليسد رمقه…
آخر هذه المجاعات، تلك التي حدثت عام 1945م، العام الذي يعرف في الذاكرة المغربية بعام الجوع أو “عام البون”… وقد خلفت نحو 50 ألف من الموتى وفق تقرير لإدارة الصحة العمومية التابعة للمستعمر الفرنسي آنذاك .
أصابع الاتهام وجهت، بحسب بعض الوثائق التاريخية، إلى فرنسا التي استنزفت المغرب حتى تمول جيوشها في مواجهة غزو هتلر. أصابع الاتهام وجهت أيضا إلى الجفاف الذي تكتفي به بعض الوثائق سببا، مثل الوثيقة التي نخوض فيها ضمن هذا الملف .
الوثيقة التي بين أيدينا تحمل عنوان “قحط في المغرب… معركة الحنطة في المنطقة”، وقد نشرت عام 1946م، عن مطبعة المخزن بتطوان؛ وهي في الواقع كتيب شعبي أعد يومها للتداول العام .
ويظهر أن إسبانيا هي التي تقف وراء هذه الوثيقة، التي تقدم نفسها بوضوح كـ”بوق عادل” ومنذ البداية، يروم تمجيد الإنقاذ الإسباني للمغرب من المجاعة .
أيا يكن، فما يهمنا فيها، تأريخها لبعض أهم الأحداث في المنطقة الخليفية آنذاك، مثل الهجرة السكانية الكبرى من الريف إلى مدن الشمال .
خريف عام 1944حلت الأمطار متأخرة جدا، غير أنها هطلت طوال شهر دجنبر وأوائل يناير على نحو غزير حمل الفلاحين المغاربة إلى الزرع بكثرة وحماسة .
صورة الغلاف

كان الأمل يحدوهم، حين تجمع الغلال، في أن يسترجعوا الموارد القليلة التي كانت بين أيديهم، فاستنفدوها بالبذر…

بدا وقتها أن عام 1945 سيكون وافر الغلة، بعدما زرعت مساحات تفوق ما زرع في أي وقت سابق…
والحقيقة أن ما زرع، كان من شأنه لو ساعدته الطبيعة، أن يأتي بخير غلة عرفها القرن الماضي.
لكن… سرعان ما تغيرت حال البلاد !
المغرب، كما تصفه الوثيقة، بلاد صلبة، غليظة التربة، متطرفة الأحوال الجوية، يكاد يستحيل أن يكون فيها الجو معتدلا .

القحط الذي اجتازته المنطقة، اعتبرت الوثيقة أنه لم يعهد له مثيل لثلاثة أسباب… لشدته: كانت الأمطار شبه معدومة في الطرف الشرقي، وأقل من النصف العادي في الغربي؛ لاستمراره: ظل تسعة أشهر متتالية؛ لاتساعه: أصاب المنطقة كلها.

هذه الوضعية الصعبة التي تلازم فلاحة المغرب، كانت من أهم أسباب تقهقره الاقتصادي… “ولتحويرها وتحسينها، ترمي أعمال إسبانيا”، تزعم الوثيقة .
 
الجفاف الذي حدث أوائل عام 1945، كان يُنذر بأن الموسم سيتلف كله تقريبا؛ ومن ثم فالمجاعة كانت تترصد نواحي كبيرة من المنطقة (الريف المغربي) .
لتمجد الوثيقة عمل إسبانيا الذي أرادت به “نجدة” المغرب، على حد تعبيرها، كان عليها أن تصف وضعية العالم آنذاك، على النحو الذي يزيد تلك “النجدة” قيمة .
هكذا، تشير إلى أن عجزا يقدر بـ4 ملايين طن من الحبوب، جعل حل هذه القضية مستحيلة ضمن نطاق القدرة البشرية.
 
الحقيقة أن العالم برمته آنذاك، كانت قد اجتاحته آثار الحرب العالمية الثانية، التي تسببت في كوارث لا عد لها .
وبينما تقول الوثيقة إن المغرب قرع على أبواب إسبانيا لتنجده، تستطرد أن إسبانيا نفسها، هي التي ضحت بذاتها وغذت بأسباب معيشتها المغرب المهدد، وهبت لتوقف غول المجاعة .

من أهم مخلفات هذه المجاعة، اضطرار الكثير من الريفيين (الريف المغربي) إلى الهجرة نحو مناطق كان فيها الجوع أخف وطأة، في ما يمثل إحدى أكبر الهجرات الداخلية في تاريخ المملكة… 

وتضيف: “ضحت (إسبانيا) بقسم وافر من مؤونتها… لتخلص سكان المنطقة من خطر المجاعة، بل وإن نجاة هؤلاء جاءت على حساب حرمان نفسها من الكثير مما تحتاج إليه”.
القحط الذي اجتازته المنطقة، اعتبرت أنه لم يعهد له مثيل لثلاثة أسباب…
1- لشدته: كانت الأمطار شبه معدومة في الطرف الشرقي، وأقل من النصف العادي في الغربي؛
2- لاستمراره: ظل تسعة أشهر متتالية .
3- لاتساعه: أصاب المنطقة كلها.
كان في الواقع كذلك، فالكثير من الوثائق التاريخية تؤكد أن المغرب لم يشهد مثل هذه المجاعة منذ عام 1737م، وهي المجاعة التي كنا قد أفردنا لها جزءًا في ملف الأسيرة الهولندية.
ثم إن الوثيقة تؤكد ما مفاده أن القحط أعاد إلى الأذهان، خطر تلك السنوات التي كانت تشهد فيها البلاد الحرائق والنهب والأوبئة، بسبب مشاكل مماثلة… وأنه أشير بنشر ظهير مولوي يقضي بحماية أملاك المغاربة .
والآن نتحدث عن طبيعة الإنقاذ الإسباني الذي تقوم الوثيقة بالدعاية له…
إلى حدود كتابة الوثيقة (1946م)، كانت الكميات المنفقة في سبيل الإسعاف قد بلغت 5463930 بيزيتا (العملة الإسبانية آنذاك – نحو 33 ألف يورو اليوم).
ففي بضعة أشهر، نقلت البواخر الإسبانية ما يقرب من مليون قنطار من الحبوب إلى المناطق المتضررة… بخاصة منطقتي الريف والكرت (الريف الشرقي)، لأنهما تضررتا أكثر من البقية .

“القحط أعاد إلى الأذهان، خطر تلك السنوات التي كانت تشهد فيها البلاد الحرائق والنهب والأوبئة، بسبب مشاكل مماثلة”.

في هاتين المنطقتين وحدهما، حيث كان القحط أكثر شدة، وزعت إسبانيا هناك 830600 قنطارا من الحبوب .
إضافة إلى 211100 قنطارا من الشعير، و521000 قنطارا من الحنطة، ناهيك عن إيلاء عناية بقضية مد الفلاحين المغاربة في المنطقة، بالبذر اللازم للزرع .
كل هذا، تقول الوثيقة، لمنطقة لا يتجاوز عدد سكانها 990000، ومساحتها الصالحة للزراعة 2700 كيلومتر مربع، ومعدل إنتاجها السنوي من الحبوب، يبلغ مليون قنطار وربع المليون .
هكذا، كان الشعير الذي تلقته يبلغ سبعة أضعاف حاجتها العادية، وما يقارب ثلث إنتاج المنطقة العادي، والقمح المتلقى يبلغ ضعفي الحاجات العادية، وما يربو على ضعفي إنتاج المنطقة العادي .
أما الحبوب المتلقاة للزرع، فقد بلغت 4 أضعاف مما تحتاج إليه في السنة العادية !
هذا وكانت المنطقة تتمتع دائما بحرية التعاقد، تؤكد إسبانيا، إذ لم يوضع أدنى قيد للمعاملات والأثمان المتداولة بين المغاربة، كما أنهم لم يجبروا البتة على التصريح بغلاتهم ولا على تسليمها .

لكن… أنّى للناس بالمال وهم يرزحون تحت الجوع ؟

تقول الوثيقة… إن مقدرة السكان الشرائية قد تضاعفت، بعدما باشرت إسبانيا تنفيذ كثير من المشاريع العمومية، على نحو فتح المجال أمامهم لاكتساب المال اللازم لسد حاجاتهم خلال الظروف الصعبة التي اجتازتها البلاد .

لكن من أهم مخلفات هذه المجاعة، اضطرار الكثير من الريفيين (الريف المغربي) إلى الهجرة نحو مناطق كان فيها الجوع أخف وطأة، في ما يمثل إحدى أكبر الهجرات الداخلية في تاريخ المملكة… وذاك ما نتابعه في الجزء الثاني .

ملاحظة: صورة المقال تعبيرية فقط ولا تعود للمنطقة

كريم الهاني : ماريان 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock