ريفوبليك

الجزء الأول : الطريق البحري للهجرة الريفية نحو الجزائر – خلال القرن 19 وبداية القرن 20

صورة عودة المهاجرين الريفيين من الجزائر

تعتبر الهجرة ظاهرة قديمة في حوض البحر الأبيض المتوسط وتميزت حركات النزوح هذه، منذ ظهورها وإلى يومنا هذا، بخاصية مشتركة تتمثل في توجيه “الفائض” السكاني نحو الخارج للحفاظ على التوازن السوسيو-اقتصادي القائم. ويبقى من المؤكد أن طبيعة هذه الحركات وتكوينها يختلفان باختلاف الظروف التاريخية والخصوصية الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.
 
وتمثل الهجرة الريفية2 نحو الغرب الجزائري، التي انطلقت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واحدة من الحركات السكانية الجديرة بالاهتمام في تاريخ الهجرات المتوسطية المعاصرة. فأمام فقر منطقة الريف، كانت السواعد البشرية تمثل أهم ثروة توفرت للمنطقة هذا في الوقت الذي أسهمت فيه السيطرة الفرنسية على الجزائر، سنة 1830م، في تغيير التوازن الاقتصادي والمجالي لشمال إفريقيا، فبدا فيه المجال الجزائري مركزا، بينما أضحى المغرب وتونس هامشا، مفرزا تيارا مهما للهجرة نحو “الجزائر، من أجل العمل خصوصا أثناء موسم الحصاد أو جني العنب”4، خاصة لعدم شعور المهاجر بالغربة، لوجوده في دار الإسلام، وأن الحدود التي وضعتها فرنسا لم تكن تعنيه في شيء .
 
ونتوخى، من خلال إثارة هذا الموضوع، النبش في تاريخ الهجرة الريفية الموسمية نحو الجزائر من أجل المساهمة في كتابة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للريف باعتباره جزءًا من التاريخ المشترك بين المغرب والجزائر، واستجلاءً للدور الذي لعبه البحر الأبيض المتوسط في تنقل أفواج المهاجرين الريفيين إلى الجزائر. إذًا، فماهي حيثيات اختيار أهالي الريف المسلك البحري للهجرة إلى الغرب الجزائري؟ و ما موقف فرنسا وإسبانيا من هذه الهجرة الموسمية انطلاقا من ميناء مليلية؟ و ماهي الظروف التي كانت تتم فيها الرحلات البحرية من ساحل الريف إلى موانئ الغرب الجزائري؟ وما حجم هذه الهجرة الموسمية وأهميتها 
 

 ارتباط ساحل الريف بالغرب الجزائري

الارتباط الاقتصادي

 
تقودنا دراسة الهجرة الريفية نحو الجزائر إلى استحضار أهمية العلاقات الاقتصادية التي ربطت بين منطقتي الغرب الجزائري والريف فرغم احتلال الإسبان للثغور المتوسطية للمغرب، ظل الريفيون يتحركون بحرية على طول الساحل المتوسطي من وهران إلى جبل طارق، فكانت قواربهم تؤَمّن احتياجاتهم الاقتصادية، وتقل المهاجرين إلى الجزائر. وقد نشّط الريفيون تجارة المساحلة مع موانئ الغرب الجزائري، عقب السيطرة الاستعمارية على الجزائر، مستفيدين بشكل كبير من التشجيع الفرنسي خلال أربعينيات ق19م، لسببين هما :
 
ـ دور تجارة المساحلة الريفية في تنشيط تجارة ميناء نيمور (Nemours)6 في أقصى الغرب الجزائري .
ـ أتثير لجوء الأمير عبد القادر إلى الحدود الشرقية للمغرب، في التجارة بين الغرب الجزائري والمنطقة الشرقية للمغرب، مما عزز تجارة المساحلة بين الريف الشرقي والجزائر .
 
وأمام انزعاج السلطات الإسبانية، من نمو تيار المبادلات التجارية بين ساحل الريف وموانئ الغرب الجزائري، فقد عملت على مضايقتها بشتى الآليات؛ إذ لم تتردد في مهاجمة القوارب الريفية وفي هذا الإطار، استولى الإسبان، في 18 نوفمبر 1852، على مركب محمل بالسلع في ملكية القلعيين، كان متجها إلى وهران8، متعللة بأسباب واهية. إلا أن هذا لم يثن الريفيين عن نشاطهم، خصوصا بعد تزايد حدة الصراع بين القلعيين والإسبان منذ 1891م؛ فتوثقت العلاقات بين الريف الشرقي والغرب الجزائري، لاسيما مع وهران ونيمور؛ مقصد الريفيين لشراء الصابون والشاي …إلخ9، وأيضا المنسوجات .
 
 

فرنسا تدمير جميع القوارب الريفية

 
نظرا لهذه العلاقة القائمة بين الريف وفرنسا، فقد أثيرت وبشكل مبكر مسألة الانتقام الفرنسي من أعمال القرصنة الريفية التي نشطت ما بين طنجة ووهران. لكن ارتباط المصالح الفرنسية بسواحل الريف، ورغبة فرنسا في استمرار نشاط قوارب الريف، جعلها تتريث في اتخاذ أي إجراء عسكري فعال ضد سواحله .
 
 وبالرغم من ذلك، فإن السلطات الفرنسية أقدمت على توجيه البارجة “نيوتن” (Newton) إلى خليج طنجة في جويلية 1854م، وتلقى قائدها “دو كايي” (De Chaillé) تعليمات من وزير البحرية للتوجه إلى ساحل الريف، وتدمير جميع القوارب الريفية وأبلغ القائد “دو كايي” القائم بأعمال دولته بطنجة “جاجيرشميث” (Charles Jagerschmidt) بمهمته، والذي فوجئ بهذا القرار المتخذ مركزيا. إذ عارض بشكل كامل هذه التعليمات التي تلقاها “دو كايي” من وزارة الشؤون الخارجية، لكون هذه المناورة البحرية ضد الريف من شأنها أن تؤدي –في تصوره- إلى عواقب وخيمة ضد فرنسا.
 
لكن “دو كايي” تلقى برقية أخرى من وزير الخارجية تجدد له تعليماتها السابقة، وفي ظل هذه الظروف، كتب “جاجيرشميث” إلى قائد “نيوتن” أنه يتحمل كامل المسؤولية في الأحداث التي يمكن أن تؤدي إلى تغيير في السياسية الفرنسية في الريف. وللتحكم في الوضع، عين المستشار “كتيل فيري”12 للمشاركة في الحملة، وكُلف خصيصا لنسج علاقات مع المرابط محمد أحضري للتخفيف قدر الإمكان من مساوئ الحملة العسكرية، وبالفعل وصلت البارجة الفرنسية إلى سواحل الريف للقيام بالمناورة، فاعترضت في ضواحي مليلية قاربا كبيرا قادما من وهران، وعلى متنه 34 ريفيا، وأخذ القائد “دو كايي” ثلاث رهائن على متن البارجة من أجل تسهيل الاتصال بالمرابط أحضري، ومن ثم تابعت رحلتها على طول الساحل .
 
ومن الوجهة الاقتصادية الصرفة، لم تكن مصلحة فرنسا تستدعي التدخل؛ لأن تأديب الريفيين، وتخريب قواربهم من شأنه التأثير سلبا في سوقها في وهران، التي تزودها قواربهم بالحبوب واللوز والعسل والصوف والخشب وغيرها من المنتوجات؛ حيث كان ميناء وهران الوحيد الذي يسمح برسو القوارب الريفية دون وثائق، وبلا إذن من السلطان [الباسبورط]، ومن ثم فلم تكن تؤدي الرسوم، وهذا يجعل الفرنسيين يحصلون على هذه المنتجات بأسعار منخفضة، مقارنة مع تلك المستوردة من مصادر أخرى؛ فتحاشت فرنسا معاقبة الريفيين حفاظا على العلاقات التجارية التي تنشطها القوارب الريفية مع وهران .
 
كما حاولت فرنسا، مرارا، التملص من المشاريع الأوربية لضرب قراصنة الريف، وكانت مدفوعة في سعيها هذا بمجموعة من الأسباب المنطقية، منها :
 
ـ إن فرنْسِيّي الجزائر كانوا في حاجة ماسة إلى العمالة الريفية .
 
ـ تزويد القوارب الريفية أسواق الجزائر (وهران) بمجموعة من المنتجات .
 
إن العلاقة المتينة القائمة بين ساحل الريف والغرب الجزائري أفضت إلى عدم تأثر فرنسا بأعمال القرصنة الريفية، بالمقارنة مع الدول الأوربية الأخرى (إسبانيا، انجلترا…). فقد أقام سكان الريف مع وهران تجارة مساحلة نشيطة، وبذلك أصبحت المصلحة الشخصية هي أولى الأولويات. ويرى “جاجيرشميث” أن الأهالي أخذوا على عاتقهم تجنب أي عمل عدواني، حتى لا تدمر تلك العلاقة الجيدة التي جمعتهم بفرنسا. علاوة على كون الآلاف منهم يتنقلون إلى الجزائر للاشتغال في ضيعات المعمرين، ويمكن أن يصبحوا رهائن في حالة النزاع16. وبذلك استفادت فرنسا من علاقتها مع الريفيين لتأمين ملاحة سفنها .
 

الإرتباط البشري 

 
علاوة على العلاقات الاقتصادية لساحل الريف مع الغرب الجزائري، نسجل أيضا علاقات بشرية بين الطرفين، فالقوارب الريفية التي تشحن بالبضائع، كانت تقل أيضا المهاجرين. ولم تكن الهجرة الموسمية للريفيين بظاهرة جديدة، بل كان هناك تيار موجه بشكل أساسي نحو القسم الغربي للمغرب، لذلك استقرت العديد من الأسر ذات الأصول الريفية في تطوان، وطنجة، والعرائش والساحل الأطلسي، والمنطقة الفرنسية، لكن يظل نزوح سكان الريف نحو الغرب الجزائري واحدًا من التحركات السكانية الجديرة بالذكر في تاريخ الهجرات المتوسطية المعاصرة لخصوصياتها. فقد عبرت عنها الكتابات الإسبانية “بالهجرة حسب نموذج الخطاف”، إذ كانت تقتضي مكوث هؤلاء المهاجرين في الجزائر حوالي ستة أشهر من كل سنة، والأشهر المتبقية في بلادهم. أما أولئك الذين تمكنوا من تأمين استمرار العمل، فإنهم يدعون عائلاتهم إلى الجزائر، وبهذه الكيفية، فإن هجرة الخطاف ستتحول إلى موسمية، ثم إلى استقرار نهائي، وعموما، شكلت الهجرة الريفية نحو الجزائر حلاً لمشاكل الريف وموردا إضافيا لاقتصاده .
 
وحول قدم هذه الهجرة من عدمها، لا يمكن تأكيد شيء محدد، غير أنه يفترض انطلاقا من خصائص المجال بأنها قديمة21، إذ نعلم من خلال مصادر مختلفة اتجاه المهاجرين من الريف إلى منطقة وهران عبر ممر ملوية، انطلاقا من عام 1840، أما فيما يخص الطريق البحرية للهجرة الريفية إلى الجزائر فيمكن تأريخها منذ خمسينيات القرن التاسع عشر، وبذلك تعتبر أقدم هجرة مغاربية، لكون الهجرة المتجهة من تونس نحو الجزائر، جاءت متأخرة ولم تكن لها أهمية إلا في 1880، بعدما أصبحت تونس محمية فرنسية.
 
فالهجرة الريفية نحو الجزائر ظاهرة سبقت وقوع المغرب تحت السيطرة الاستعمارية، لكن الوجود الإسباني ساهم في تكثيفها وتحويلها من هجرة موسمية إلى مؤقتة، فالمهاجرون الذين فقدوا أراضيهم اضطروا لإطالة فترة إقامتهم في الجزائر. وقد أسهم انفتاح الثغور المحتلة على مجالها الخلفي في تدفق المهاجرين الريفيين عليها، فكان الاتجاه نحو الغرب الجزائري. وبذلك أصبحت الحصون الإسبانية منفذا طبيعيا للريف على البحر الأبيض المتوسط، ووفرت للأهالي فرصة لمغادرة البلاد عن طريق البحر، وتجاوز الطريق البرية الأكثر صعوبة والمحفوفة بالمخاطر، وفي نفس الآن يمكن تجنب مراقبة رجال المخزن لذا، انطلق الريفيون الأوائل المهاجرون إلى الجزائر من قلعية لقربها من مليلية، فتم الإبحار من مينائها إلى وهران .
 

ريف بريس : متابعة

 
قراءة في كتاب « الطريق البحري للهجرة الريفية نحو الجزائر – خلال النصف الثاني من القرن
 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock